تعرف على التنظيم العاطفي كيفية التحكم في مشاعرنا
دراسات و أبحاث
تعرف على التنظيم العاطفي كيفية التحكم في مشاعرنا
10 آب 2026 , 13:33 م

إذا كنت تتابع موضوعات الصحة النفسية على منصات مثل تيك توك أو إنستغرام خلال الفترة الأخيرة، فمن المحتمل أنك سمعت كثيرا عن مصطلح التنظيم العاطفي.

لكن التنظيم العاطفي ليس مجرد مصطلح رائج على مواقع التواصل الاجتماعي، بل هو مفهوم نفسي معقد يدرسه علماء النفس منذ عقود.

وببساطة، يشير التنظيم العاطفي إلى مدى قدرة الإنسان على التعامل مع مشاعره وإدارتها، سواء كانت مشاعر إيجابية مثل الحماس والفرح، أو مشاعر سلبية وأكثر صعوبة مثل الغيرة والغضب.

وتدرس الكاتبة، وهي أخصائية في علم النفس، التنظيم العاطفي أو ما يسميه العلماء ببساطة "تنظيم المشاعر" في سياق العلاقات، بما في ذلك الطريقة التي يتعلم بها الأطفال تنظيم مشاعرهم بأنفسهم.

والهدف من التنظيم العاطفي الصحي ليس التخلص من المشاعر الصعبة أو محوها، بل التعامل معها بطريقة أكثر فاعلية حتى لا تصبح طاغية على الإنسان.

التنظيم العاطفي والمزاج مختلفان

يخلط كثير من الناس بين التنظيم العاطفي والمزاج أو الطبع الشخصي.

ويقصد بالمزاج الأسلوب الطبيعي والفطري الذي يتعامل به الإنسان مع العالم أو يستجيب من خلاله للمواقف المختلفة.

ويصف علماء النفس ثلاثة أنماط رئيسية من المزاج:

- شخص سهل التعامل ومرن.

- شخص نشط ومنفتح وسريع الاستثارة.

- شخص حذر وهادئ.

ويرتبط المزاج بالعوامل الوراثية والبيولوجية، أي أنه جزء من طبيعة الإنسان منذ الولادة.

أما التنظيم العاطفي، فليس صفة يمتلكها الإنسان أو يفتقر إليها بشكل كامل، بل هو مجموعة من المهارات التي تتطور مع مرور الوقت.

ويبدأ تطور هذه المهارات منذ مرحلة الطفولة، عندما يتعلم الأطفال من الأشخاص المحيطين بهم ويتفاعلون معهم.

وكما هو الحال مع المهارات الأخرى، يمكن تقوية القدرة على تنظيم المشاعر من خلال التعلم والتدريب والممارسة.

نوعان من تنظيم المشاعر

ينقسم التنظيم العاطفي إلى نوعين رئيسيين:

التنظيم الذاتي: ويعني قدرة الشخص على إدارة مشاعره بنفسه.

التنظيم المشترك: ويعني مساعدة شخص آخر على التعامل مع مشاعره وتنظيمها.

وكلا النوعين مهم في العلاقات العاطفية، وفي بيئة العمل، وفي تربية الأطفال.

ويكتسب التنظيم المشترك أهمية خاصة عند مساعدة الأطفال على التعامل مع المشاعر الشديدة.

كيف تبدأ الدورة العاطفية؟

لا تحدث المشاعر بشكل منفصل عن بقية وظائف الإنسان، بل تأتي ضمن تفاعل مستمر بين العقل والجسم والسلوك.

فالطريقة التي تفكر بها تؤثر في استجابة جسمك، واستجابة الجسم تؤثر في شعورك، بينما تؤثر مشاعرك بدورها في سلوكك وتصرفاتك.

تخيل مثلا أن سائقا قطع الطريق أمامك فجأة.

خلال لحظات، يمكن أن تحدث عدة أمور في الوقت نفسه. قد تشعر بموجة من الغضب، بينما يبدأ قلبك بالخفقان بسرعة وتتعرق راحة يديك، وتظهر في ذهنك أفكار غاضبة تجاه السائق.

وقد تدفعك هذه الاستجابات إلى التصرف بطريقة معينة، مثل تحريك عينيك باستياء، أو الشتائم خلف عجلة القيادة، أو الإشارة للسائق بإشارة مسيئة.

كل واحدة من هذه الاستجابات تؤثر في الأخرى، ما يؤدي إلى تكوين دورة عاطفية يمكن أن تتصاعد أو تهدأ اعتمادا على الطريقة التي تستجيب بها.

ولهذا فإن فهم هذه الدورة مهم، لأن تغيير جزء واحد منها يمكن أن يؤدي إلى تغيير التجربة العاطفية بأكملها.

الاستجابة بدلا من رد الفعل

يمارس جميع الناس التنظيم العاطفي خلال حياتهم اليومية، سواء بوعي أو من دون وعي.

ويساعد التنظيم العاطفي الصحي الإنسان على استخدام مشاعره كمصدر مهم للمعلومات، بدلا من السماح لها بالسيطرة على حياته أو إفساد يومه.

فالمشاعر يمكن أن تشير إلى أن شيئا ما يبدو لنا تهديدا أو غير عادل أو مثيرا أو مخيبا للآمال أو مهما.

وهذا قد يدفع الإنسان إلى التوقف للحظة والتفكير في السبب الذي أدى إلى ظهور هذه الاستجابة.

وفي مثال السائق، قد يكون الغضب إشارة إلى أنك فسرت تصرف السائق على أنه خطر أو عدم احترام.

لكن الشعور بالغضب لا يعني بالضرورة أن تفسيرك للموقف صحيح أو خاطئ. إنه يقدم لك معلومات عن الطريقة التي تختبر بها الموقف، ويمكن أن يساعدك على تحديد الطريقة الأنسب للاستجابة.

استراتيجيات التعامل مع المشاعر

يستخدم كثير من الناس استراتيجيات مختلفة لتنظيم مشاعرهم بشكل متعمد خلال اليوم، وخاصة عندما يواجهون مشاعر شديدة أو غير مريحة.

وقد تشمل هذه الاستراتيجيات:

- المشي.

- التحدث مع صديق والتعبير له عن المشاعر.

- ممارسة الرياضة أو لعب كرة السلة.

- استخدام تمارين التنفس.

- ممارسة اليقظة الذهنية.

لكن بعض الأشخاص قد يلجأون أيضا إلى طرق أقل صحة، مثل التصفح القهري للأخبار السلبية على الإنترنت، أو التعامل بعصبية مع الأشخاص المقربين، أو الإفراط في تناول المشروبات الكحولية.

كما أن عوامل متعددة، مثل ضغوط الحياة وحتى جودة النوم، يمكن أن تجعل من الصعب على الإنسان تنظيم المشاعر الصعبة أو احتوائها، ما يزيد احتمال اللجوء إلى أساليب غير صحية للتعامل معها.

عندما يفشل التنظيم العاطفي

لا يمكن لعلماء النفس الحديث عن التنظيم العاطفي من دون التطرق إلى حالته المعاكسة، وهي اضطراب التنظيم العاطفي.

ويحدث ذلك عندما يعجز الإنسان عن استخدام مهارات التعامل المناسبة للتكيف مع المشاعر الصعبة، فتبدأ هذه المشاعر في التأثير في قدرته على أداء وظائفه اليومية.

فبدلا من امتلاك استراتيجيات تساعد الإنسان على مواجهة صعوبات الحياة، تبدو المشاعر الشديدة وكأنها أمواج تغمره، فيشعر وكأنه يغرق تحت وطأتها.

لكن المشكلة ليست في الشعور نفسه.

المشكلة تكمن في الطريقة التي تفسر بها هذا الشعور، والقصة التي تخبر بها نفسك عنه، والطريقة التي تستجيب بها له.

وعندما تصبح المشاعر صعبة الإدارة وتبدأ في التأثير في طريقة تفكير الإنسان أو تصرفاته أو قدرته على أداء وظائفه اليومية، فإن ذلك يعد اضطرابا في تنظيم المشاعر.

تأثير اضطراب المشاعر في الصحة

يمكن أن تكون لاستمرار اضطراب التنظيم العاطفي آثار كبيرة تتجاوز مجرد الشعور السيئ في اللحظة نفسها.

فقد يؤثر اضطراب التنظيم العاطفي في الصحة الجسدية، بما في ذلك وظائف القلب والجهاز المناعي، كما يمكن أن يؤدي إلى اضطراب النوم ويسهم في ظهور مشكلات تتعلق بالصحة النفسية.

وقد يجعل أيضا من الصعب على الإنسان أن يكون حاضرا ومتفاعلا بصورة جيدة في علاقاته مع الآخرين.

إضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤثر في الذاكرة والتركيز والأداء في الأنشطة اليومية، بل وقد تمتد آثاره إلى الوضع المالي للشخص.

وتشير الأبحاث إلى أن تعلم كيفية التعامل مع اضطراب التنظيم العاطفي في وقت مبكر يمكن أن يقلل خطر حدوث عواقب طويلة الأمد، بما في ذلك بعض الاضطرابات النفسية الخطيرة مثل اضطرابات المزاج الشديدة واضطراب الشخصية الحدية.

يمكن تعلم تنظيم المشاعر

يبدأ تعلم مهارات التنظيم العاطفي من خلال التعرف على المشاعر وبناء مفردات تساعد على وصفها.

فمن الصعب تنظيم شعور لا تستطيع تحديده أو تسميته.

ويتعلم الأطفال مهارات تنظيم المشاعر من خلال مراقبة الأشخاص المحيطين بهم.

ويمكن للوالدين ومقدمي الرعاية مساعدة الأطفال من خلال لعب دور ما يمكن وصفه بـ "الحاوية العاطفية"، أي مساعدة الطفل على تسمية مشاعره، وتعليمه كيفية التعبير عنها بطريقة صحية من خلال تقديم نموذج عملي أمامه.

التنفس واليقظة الذهنية

في اللحظات التي تشتد فيها المشاعر، يمكن استخدام استراتيجيات مثل تمارين التنفس أو اليقظة الذهنية.

وتساعد هذه الأساليب على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل شدة المشاعر، ما يمنح الإنسان فرصة أكبر للتعامل مع الموقف بطريقة هادئة ومدروسة.

وعلى المدى الطويل، يمكن لمهارات العلاج السلوكي المعرفي أن تساعد على تطوير القدرة على تنظيم المشاعر.

ويعد العلاج السلوكي المعرفي من أكثر أنواع العلاج النفسي بالكلام فاعلية في التعامل مع القلق والاكتئاب.

ومن المهارات التي يمكن تعلمها من خلاله النظر إلى التجارب الصعبة باعتبارها فرصا للنمو، والتشكيك في الأفكار غير المفيدة بدلا من تصديقها تلقائيا، وتقبل المشاعر من دون السماح لها بالسيطرة على الإنسان.

المشاعر ليست حقائق دائما

لا يتمثل الهدف في محاولة تجنب المشاعر الصعبة أو التخلص منها.

بل يكمن الهدف في ملاحظتها والاعتراف بوجودها، وفهم أن المشاعر لا تعكس الواقع دائما بصورة دقيقة.

وبعبارة أخرى: المشاعر ليست حقائق بالضرورة.

وعندما يدرك الإنسان ذلك، يصبح أكثر قدرة على اختيار الطريقة التي يريد أن يستجيب بها، بدلا من التصرف بشكل اندفاعي تحت تأثير الشعور.

كما أن التحدث عن المشاعر الصعبة مع شخص تثق به يمكن أن يساعدك على الشعور بأنك مفهوم، وعلى اكتساب منظور مختلف للموقف، ما يسهل عليك الاستجابة بطريقة مدروسة بدلا من رد الفعل الاندفاعي.

صحة الجسم تدعم تنظيم المشاعر

تلعب العناية بالجسم أيضا دورا مهما في تنظيم المشاعر.

فالحصول على قسط كاف من النوم، وتناول غذاء متوازن، والحركة المنتظمة، كلها عوامل تساعد الدماغ على أداء وظائفه بأفضل شكل ممكن.

وعندما يعمل الدماغ بصورة جيدة، يصبح من الأسهل التعامل مع الضغوط، والتفكير بوضوح، والاستجابة للمواقف بطريقة أكثر هدوءا وتأنيا.

الممارسة تقوي القدرة على التحكم بالمشاعر

يتطلب التنظيم العاطفي الصحي والمستمر ممارسة منتظمة.

وكما تقوى عضلات الذراعين من خلال التدريب في صالة الرياضة، يمكن أن تنمو قدرة الإنسان على الاستجابة للمشاعر بطريقة أكثر فاعلية عندما يستخدم مهارات التنظيم العاطفي باستمرار.

فالهدف ليس أن يعيش الإنسان من دون غضب أو حزن أو خوف أو مشاعر صعبة، وإنما أن يتعلم كيفية ملاحظتها وفهمها والتعامل معها، بدلا من السماح لها بالسيطرة على تفكيره وسلوكه وحياته.

المصدر: موقع The Conversation
الأكثر قراءة التفكير بصوت عالٍ
التفكير بصوت عالٍ
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً