هل تشعر أحيانا بأن وصول حرارة الصيف يجعلك أقل تركيزا وأكثر بطئا في التفكير؟ لست وحدك.
فارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يؤدي إلى إبطاء عمليات التفكير، بحيث تبدو حتى المهام اليومية البسيطة أكثر صعوبة وتعقيدا.
لكن ماذا يحدث داخل الدماغ عندما ترتفع درجة الحرارة؟
يبدو أن السبب يرتبط بالجهد الإضافي الذي يبذله الدماغ والجسم للحفاظ على برودة الجسم وتنظيم درجة حرارته.
كيف ينظم الدماغ حرارة الجسم؟

يتواصل الدماغ والجسم باستمرار للحفاظ على التوازن الداخلي.
وعندما تتغير درجة حرارة البيئة المحيطة، ترسل مستقبلات الحرارة الموجودة بالقرب من سطح الجلد إشارات إلى منطقة تحت المهاد (الوطاء) في الدماغ، وهي المركز المسؤول عن تنظيم درجة حرارة الجسم.
وعندما يصبح الجسم شديد الحرارة أو البرودة، تنسق منطقة تحت المهاد مجموعة من الاستجابات التي تساعد على إعادة درجة حرارة الجسم إلى المعدل الطبيعي، الذي يبلغ نحو 37 درجة مئوية.
ويعد الحفاظ على درجة حرارة الجسم الداخلية ضمن هذا النطاق أمرا ضروريا لعملية التمثيل الغذائي ونشاط الإنزيمات والعديد من الوظائف الحيوية الأخرى.
الدماغ ينشغل بالتبريد
عندما ترتفع درجة الحرارة، يبدأ الجسم في تشغيل آليات مختلفة للتخلص من الحرارة.
وتشمل هذه الآليات زيادة تدفق الدم إلى الجلد، وتسطيح شعر الجلد والتعرق، ما يساعد الجسم على إطلاق الحرارة إلى البيئة المحيطة.
وتتحكم في هذه الاستجابات مسارات عصبية تربط الدماغ بالأوعية الدموية والغدد العرقية، ما يسمح للجسم بضبط كمية الحرارة التي يفقدها بدقة.
لكن الجهد الإضافي الذي يحتاج إليه الجسم للحفاظ على برودته قد يترك للدماغ قدرة أقل على أداء المهام الإدراكية التي تتطلب تفكيرا مستمرا وتركيزا لفترات طويلة.
التمارين تزيد العبء على الجسم
قد يصبح هذا التأثير أكثر وضوحا عند ممارسة الرياضة أو بذل مجهود بدني في الوقت نفسه.
فالعضلات العاملة وعمليات التمثيل الغذائي تنتج الحرارة، ما يضيف عبئا إضافيا على آليات التبريد التي يستخدمها الجسم والدماغ للحفاظ على درجة الحرارة الطبيعية.
وبالتالي، فإن الجمع بين الحرارة المرتفعة والنشاط البدني قد يزيد الضغط على أنظمة تنظيم الحرارة في الجسم.
الحرارة تؤثر في الخلايا العصبية
لا يقتصر تأثير ارتفاع الحرارة على آليات تبريد الجسم، إذ يمكن أيضا أن تبدأ الخلايا العصبية في العمل بطريقة مختلفة عندما ترتفع درجة الحرارة.
وتعتمد الخلايا العصبية على تدفق التيارات الكهربائية وإطلاق النواقل العصبية الكيميائية حتى تتمكن من أداء وظائفها.
وتعتمد هذه العمليات بدورها على الإنزيمات والبروتينات وحركة الأيونات المشحونة إلى داخل الخلايا العصبية وخارجها، وهي عمليات تتأثر بدرجة الحرارة.
وعادة يستطيع الدماغ التعامل مع هذه المتطلبات والحفاظ على التوازن اللازم لعمله.
لكن بعد تجاوز مستوى معين من الحرارة، يمكن أن يختل هذا التوازن الدقيق، ما يؤثر في الطريقة التي تطلق بها الخلايا العصبية الإشارات وفي كيفية تواصلها مع بعضها.
وقد ينعكس ذلك على وظائف مثل الذاكرة واتخاذ القرارات والتركيز.
الجفاف يزيد المشكلة
هناك عامل آخر يجب أخذه في الاعتبار، وهو الجفاف الذي يحدث بشكل شائع في الطقس الحار نتيجة فقدان السوائل مع التعرق.
وعندما لا يعوض الشخص السوائل التي يفقدها بشكل كاف، يزداد الضغط على الجهاز القلبي الوعائي، الذي يحاول توفير الدم للجلد والأعضاء المختلفة، بما فيها الدماغ.
ويتكون أكثر من 70% من الدماغ من الماء، ولذلك يمكن حتى للجفاف المعتدل أن يؤدي إلى تراجع في الانتباه وسرعة الاستجابة والذاكرة قصيرة المدى.
كيف يؤثر الجفاف في الدماغ؟
يمكن أن يؤثر الجفاف في الدماغ بعدة طرق.
فهو قد يؤدي إلى انخفاض تدفق الدم إلى الدماغ، وتغيير طريقة عمل الخلايا العصبية، والتأثير في التوازن الدقيق للكهارل، وهي مواد ضرورية لعمل الخلايا والأعصاب بصورة طبيعية.
ويمكن أن تؤثر هذه التغيرات مجتمعة في قدرة الدماغ على أداء وظائفه بكفاءة.
لذلك، لا ترتبط صعوبة التفكير في الطقس الحار بدرجة الحرارة وحدها، بل قد يسهم فقدان السوائل وعدم تعويضها في زيادة المشكلة.
الحرارة تؤثر في النوم
لا يتعلق تأثير الحرارة في الدماغ بما يحدث أثناء التعرض للحر فقط، بل يمتد أيضا إلى قدرة الجسم والدماغ على الراحة والتعافي بعد ذلك.
ومن أهم وسائل التعافي النوم.
ففي الطقس الحار، قد يصبح النوم أكثر صعوبة، وحتى إذا تمكن الشخص من النوم، فقد تكون الفترة التي يقضيها في مراحل النوم العميق والمريح أقصر.
ويؤدي اضطراب النوم إلى إضافة عامل آخر إلى ما يمكن وصفه باسم تشوش الدماغ.
فعدم الحصول على نوم كاف يمكن أن يضعف الانتباه والذاكرة والقدرة على التفكير، ما يزيد التأثير السلبي للحرارة في الأداء الإدراكي.
تأثير الحرارة يختلف من شخص لآخر
لا يتأثر جميع الأشخاص بالحرارة بالطريقة نفسها.
فقد يتمكن بعض الأشخاص من التعامل مع درجات الحرارة المرتفعة بشكل جيد، بينما يواجه آخرون صعوبة في أداء المهام الإدراكية المعقدة أو حتى بعض الأنشطة اليومية البسيطة.
ويرجع ذلك جزئيا إلى الاختلافات الفردية في وظائف الجسم وقدرة كل شخص على تحمل الحرارة.
كما يلعب الشعور الشخصي دورا في إدراك التأثير.
فحتى الانخفاض البسيط في مستوى الانتباه أو سرعة معالجة المعلومات قد يبدو أكثر وضوحا عندما يلاحظ الشخص أنه يواجه صعوبة في أداء مهمة كان ينفذها بسهولة في الظروف الطبيعية.
كيف تحافظ على نشاط الدماغ في الحر؟
إذا لاحظت انخفاض تركيزك أو شعورك بالتشوش خلال الأيام الحارة، فلا داعي للقسوة على نفسك.
يمكن أن يساعد أخذ قسط من الراحة، وتبريد الجسم، وتعويض السوائل المفقودة على استعادة قدر أكبر من التركيز.
كما يمكن تقليل بعض آثار ما يعرف باسم تشوش الدماغ الصيفي من خلال الحفاظ على برودة الجسم قدر الإمكان.
وتشمل الإجراءات البسيطة التي قد تساعد:
ارتداء ملابس خفيفة ومناسبة للطقس الحار
استخدام أغطية وأغطية سرير مناسبة وباردة نسبيا.
أخذ فترات راحة منتظمة من التعرض للحرارة.
شرب كمية كافية من السوائل.
تجنب بذل مجهود بدني شديد في أشد أوقات الحرارة عندما يكون ذلك ممكنا.
وتساعد المحافظة على ترطيب الجسم في الحفاظ على توازن السوائل الضروري لعمل الجسم والدماغ بصورة طبيعية.
تأثير مؤقت غالبا
قد يكون من المزعج أن يشعر الإنسان بأن دماغه لا يعمل بالكفاءة المعتادة خلال الأيام الحارة، لكن هذا التأثير يكون في كثير من الحالات مؤقتا، ومن المفترض أن يبدأ في التراجع مع انخفاض حرارة الجسم وعودته إلى ظروف أكثر اعتدالا.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الحرارة الشديدة لا تؤثر فقط في الشعور بالراحة، بل يمكن أن تضع عبئا إضافيا على أنظمة تنظيم حرارة الجسم، وتؤثر في عمل الخلايا العصبية، وتزيد خطر الجفاف واضطراب النوم.
لذلك، فإن الحفاظ على برودة الجسم وترطيبه والحصول على نوم جيد يمكن أن يساعد في الحد من تأثير الطقس الحار على التركيز والذاكرة والتفكير والأداء الإدراكي.