لبنان على حافة «التصعيد المحسوب».. نتنياهو يختبر الحرب من دون إعلانها ..
مقالات
لبنان على حافة «التصعيد المحسوب».. نتنياهو يختبر الحرب من دون إعلانها ..
عباس المعلم
20 آب 2026 , 16:18 م

تُظهر قراءة متقاطعة لتصريحات بنيامين نتنياهو ووزراء حكومته، مقرونةً بنمط التحركات العسكرية والإجراءات العملياتية الواسعة التي ينفذها الجيش الإسرائيلي على جبهة جنوب لبنان، أن تل أبيب تعيد تدريجياً تشكيل قواعد الاشتباك لمرحلة جديدة، تقع في المساحة الفاصلة بين العدوان اليومي المحدود والحرب الشاملة. وهذا الاتجاه يكتسب ثقلاً إضافياً مع تعثر المسار الذي أطلقه «اتفاق الإطار» في 26 حزيران، وفشل جولة روما الأخيرة في تحقيق تقدم ملموس بشأن الانسحاب الإسرائيلي أو الترتيبات الأمنية، فيما باتت إسرائيل تربط انسحابها صراحةً بنزع سلاح حزب الله وتستعد لإقامة عسكرية قد تطول.

بالتوازي، فإن تراجع فاعلية المظلة الإيرانية–الأميركية التي ساهمت سابقاً في ضبط الجبهة، وانسداد أفق الاختراق السياسي بين السلطة اللبنانية وإسرائيل، يزيلان تدريجياً «صمامات الأمان» التي كانت تكبح انتقال المواجهة إلى مستوى أعلى. حتى «المناطق التجريبية» التي كان يُراد منها إنتاج نموذج تدريجي للانسحاب وانتشار الجيش اللبناني اصطدمت بتعقيدات ميدانية وسياسية، فيما بقيت نقاط شديدة الحساسية، وفي مقدمتها نطاق علي الطاهر، جزءاً من عقدة السيطرة الإسرائيلية والحسابات الأمنية الأوسع.

وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب ليس اندفاع نتنياهو مباشرةً نحو حرب مفتوحة، بل الانتقال إلى مرحلة من الضربات الموضعية الموسّعة والمحسوبة: عمليات أشد كثافة من نمط الاعتداءات اليومية الحالية، قد تشمل أحزمة جغرافية أوسع، أهدافاً أعلى قيمة، وربما توسيع نطاق الاستهداف بعيداً عن خطوط التماس التقليدية. الغاية هنا ليست عسكرية صرفاً، بل ممارسة ما يمكن تسميته بـ«الإكراه تحت سقف الحرب»؛ أي رفع الكلفة على الدولة اللبنانية لدفعها إلى تقديم خطوات إضافية، وفي الوقت نفسه زيادة الضغط العسكري والأمني على حزب الله لاختبار حدود ردّه وقدرته على ضبط التصعيد.

وما حدث في 15 آب، حين شهد الجنوب أعنف تصعيد منذ وقف إطلاق النار في 20 حزيران وسقط شهداء في غارات إسرائيلية واسعة نسبياً، يمكن قراءته كإشارة أولية إلى قابلية الانتقال نحو هذا النموذج: ضربات أقسى من الروتين السابق، لكن من دون العبور المتعمّد والفوري إلى حرب شاملة.

الخطر في هذا السيناريو أن إسرائيل قد تنجح في تحديد بداية التصعيد، لكنها لا تملك بالضرورة تحديد نهايته. فالضربة التي تُصمَّم في غرفة القرار باعتبارها عملية ضغط محدودة قد تستدعي رداً نوعياً، ثم رداً مضاداً، لتتحول هندسة «التصعيد المنضبط» خلال ساعات إلى دينامية حرب لا يريدها أحد في لحظة انطلاقها. ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى اختبار حواف الحرب: نتنياهو يرفع النار إلى ما دون الانفجار الكبير، ويحاول تحويل التفوق العسكري إلى رافعة سياسية، فيما يبقى السؤال الأخطر ليس ما إذا كانت إسرائيل ستصعّد، بل ما إذا كانت ستتمكن من إبقاء التصعيد داخل الحدود التي رسمتها له.

عباس المعلم - كاتب سياسي