تقلب المزاج لا يعني دائمًا انتقالًا عابرًا بين الفرح والضيق؛ فقد يتحول، حين يطول ويتكرر، إلى اختلال في الاستقرار الانفعالي يجعل الإنسان عاجزًا عن تثبيت علاقته بذاته وبالأشياء من حوله. ما كان يمنحه المتعة يفقد بريقه، وما كان يثير اهتمامه يصبح باهتًا، حتى يدخل في حالة تشبه التسطّح الوجداني وفقدان التلذذ النفسي؛ يعيش الحدث من دون أن يشعر بمذاقه، ويمضي يومه وكأنه حاضر بجسده وغائب عنه بإحساسه.
ومع استمرار هذا التحول، تتغير علاقته بالمحيط؛ فيقترب ثم ينسحب، يرغب بالكلام ثم يضيق به، يحتاج الآخرين ثم يشعر بثقل حضورهم. هذا التذبذب يستنزف قدرته على بناء استجابة نفسية مستقرة، ويخلق مسافة بينه وبين المجتمع لا يصنعها النفور بقدر ما يصنعها الإجهاد الانفعالي. ومع الوقت يصبح تفسيره للأحداث خاضعًا لمزاجه الآني، فتتبدل قيمة الأشخاص والأشياء في داخله، ويصعب عليه أن يعرف: هل تغير العالم فعلًا، أم تغيرت العدسة النفسية التي ينظر من خلالها إليه؟
والأشد وطأة أن يختل لديه الإحساس بالزمن النفسي؛ فلا يعود الماضي ذكرى انتهت، بل واقعًا داخليًا يعيد معايشته، بينما يبدو الحاضر محطة ثقيلة لا يستطيع الاستقرار فيها، ويغدو المستقبل مساحة ضبابية لا يمتلك نحوها دافعًا ولا تصورًا. عندها لا يعيش الإنسان أيامه بقدر ما يعبرها؛ يستيقظ ليكرر زمنًا مضى، ويتعامل مع واقع لا يشعر بالانتماء إليه، وينظر إلى غدٍ لا يعرف الطريق نحوه. وهنا يصبح التعب الحقيقي ليس في سوء المزاج وحده، بل في فقدان الإحساس باستمرارية الحياة ومعناها.
والأخطر في هذه الحالة أن استمرار التذبذب لا يستنزف المشاعر فحسب، بل يعيد تشكيل البنية الإدراكية للذات؛ إذ يبدأ الإنسان بفقدان ما يُعرف نفسيًا بـالإحساس بالاستمرارية الذاتية، أي ذلك الخيط الداخلي الذي يصل ماضيه بحاضره ويمنحه تصورًا متماسكًا عن مستقبله. وحين يضعف هذا الترابط، تصبح القرارات أثقل، والدوافع أكثر هشاشة، والمتعة أقل قدرة على اختراق الجمود الداخلي، فينشأ ما يشبه الاغتراب النفسي عن الحياة: لا انهيارًا صريحًا ولا حزنًا دائمًا، بل وجودًا يؤدي صاحبه تفاصيله اليومية من دون أن يشعر أنه يسكنها فعلًا. لذلك فإن التحول الأعمق ليس أن يتغير مزاج الإنسان، بل أن يتغير إحساسه بنفسه؛ وحين تضطرب صورة الذات، يفقد الماضي مكانه كذكرى، والحاضر قيمته كتجربة، والمستقبل قدرته على أن يكون احتمالًا يستحق الانتظار.
" عباس المعلم " إعلامي