من الزهراني إلى عرب صاليم… العدوان بلا سقف ..
مقالات
من الزهراني إلى عرب صاليم… العدوان بلا سقف ..
عباس المعلم
27 آب 2026 , 20:53 م

بعد الزهراني وأنصار، جاءت عرب صاليم اليوم لتضيف دماً جديداً إلى الرسالة الإسرائيلية نفسها: نتنياهو يريد أن يقول للبنان وحزب الله إن ما يسمّيه «حرية العمل» ليس هامشاً أمنياً محدوداً، بل حقاً مطلقاً يمنحه لنفسه في اختيار المكان والزمان والهدف، من دون رادع أو سقف سياسي. تتّسع رقعة الضربات، وتتبدّل الجغرافيا، لكن المضمون واحد: إسرائيل تحاول تكريس العدوان كأمر واقع، بحيث يصبح القصف هو القاعدة، والهدوء استثناءً مؤقتاً تقرره تل أبيب وحدها.

والأشد خطورة أن هذه الرسالة الإسرائيلية لا تتحرك في فراغ سياسي. فبين الموقف الذي أطلقه السفير الأميركي في بيروت بالأمس، وحديث الرئيس جوزيف عون عن التمسك بالتفاوض مع إسرائيل، تستطيع تل أبيب أن تقرأ المشهد باعتباره افتقاراً إلى كلفة سياسية رادعة لعملياتها. وهنا تكمن المفارقة الفادحة: لبنان يتحدث عن التفاوض، فيما إسرائيل تفاوضه بالنار؛ لبنان يبحث عن طاولة، ونتنياهو يرسم حدود تلك الطاولة بالغارات والدم. وعندما لا يقابل هذا السلوك برفع السقف السياسي في وجه المعتدي، فإن التمسك بالتفاوض يتحول، في الحسابات الإسرائيلية، من أداة لاستعادة الحقوق إلى مؤشر على قدرة تل أبيب على مواصلة الضغط من دون أن تدفع ثمناً يوازي عدوانها.

ثم جاء التنفيذ اليوم في عرب صاليم ليعرّي المشهد من آخر مساحيق الدبلوماسية: إسرائيل تقصف وتقتل وتوسّع بنك عدوانها، فيما يُطلب من لبنان أن يبقى واقفاً على باب التفاوض كأن الدم تفصيلٌ يمكن تجاوزه ببيان سياسي. قُتلت سجى موسى شرارة، عروسٌ بعمر الورد لم يمضِ على زفافها سوى أيام، لكن الأخطر سياسياً أن قتلها يأتي في مناخ تريد فيه تل أبيب تحويل «حرية العمل» إلى سيادة إسرائيلية فوق السيادة اللبنانية. وحين لا تقابل الغارة بكلفة سياسية رادعة، بل بمزيد من الحديث عن التفاوض، فإن نتنياهو لن يقرأ ذلك اعتدالاً ولا حرصاً على الدولة؛ سيقرأه مساحةً إضافية لاختبار حدود الصمت، وتوسيع حدود النار، وفرض الوقائع بالقوة.

وهنا يصبح السؤال أشدَّ سخطاً ومرارةً من أن يُدفن تحت ركام اللغة الدبلوماسية: كم سجى يجب أن تُقتل، وكم عروساً يجب أن يتحول ورد زفافها إلى ورد رثاء، وكم بلدةً يجب أن تُقصف، وكم مرةً يجب أن تُهان السيادة اللبنانية، قبل أن يُقال لإسرائيل إن لبنان ليس ميدان رماية مفتوحاً؟ من الزهراني إلى أنصار وصولاً إلى عرب صاليم، لم تعد الرسائل الإسرائيلية تُكتب بالحبر، بل بالنار وأجساد المدنيين وركام البيوت. وحين يصبح عمر عروسٍ أقصر من عمر وردها، فيما يبقى الجواب السياسي هو التفاوض تحت القصف، فالمشكلة لم تعد فقط في وحشية العدو؛ بل في معادلةٍ خطرة يريد نتنياهو تثبيتها: هو يقتل ويقصف ويفرض الشروط، وعلى لبنان أن يتلقى الضربة ثم يعود إلى الطاولة التي اختار المعتدي توقيتها وحدودها وسقفها.

عباس المعلم - كاتب سياسي