السيّد مُوسَى الصَّدْر: هَنْدَسَةُ الْفِكْرِ السِّيَاسِيِّ وَ«ثَوْرَةُ الْمَحْرُومِينَ».. مِنَ الْقَاعِ إِلَى الْمُقَاوَمَةِ وَالدَّوْلَةِ.
مقالات
السيّد مُوسَى الصَّدْر: هَنْدَسَةُ الْفِكْرِ السِّيَاسِيِّ وَ«ثَوْرَةُ الْمَحْرُومِينَ».. مِنَ الْقَاعِ إِلَى الْمُقَاوَمَةِ وَالدَّوْلَةِ.
موسى عباس
2 أيلول 2026 , 08:10 ص

كتب: موسى عبّاس

— الْمِعْيارُ الْأَخْلَاقِيُّ لِلسِّيَاسَةِ:

لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ السَّيِّدُ مُوسَى الصَّدْرُ مُجَرَّدَ زَعِيمٍ كَارِيزْمِيٍّ أَوْ مُصْلِحٍ اجْتِمَاعِيٍّ أَلْقَى حَجَراً فِي مِيَاهِ الرُّكُودِ السِّيَاسِيِّ اللُّبْنَانِيِّ، بَلْ كَانَ «مُهَنْدِساً مَعْرِفِيّاً» أَحْدَثَ قَطِيعَةً مَنْهَجِيَّةً مَعَ الْفَهْمِ التَّقْلِيدِيِّ لِلْعَمَلِ الدِّينِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ فِي الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ. إِعَادَةُ قِرَاءَةِ مَسِيرَتِهِ تَقْتَضِي تَجَاوُزَ الْبُكَائِيَّاتِ وَالسِّجَالَاتِ الْقَضَائِيَّةِ حَوْلَ اخْتِفَائِهِ، لِلْوُصُولِ إِلَى جَوْهَرِ «الظَّاهِرَةِ الصَّدْرِيَّةِ»: كَيْفَ اسْتَطَاعَ رَجُلٌ وَاحِدٌ تَحْوِيلَ الْفَقْرِ الْمُسْتَسْلِمِ إِلَى حَرَاكٍ حُقُوقِيٍّ مَدَنِيٍّ، وَإِعَادَةَ صِيَاغَةِ الْهُوِيَّةِ الْوَطَنِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ؟

أَوَّلاً: «فَلْسَفَةُ التَّحَرُّرِ».. مِنَ الْوَعْظِ إِلَى التَّغْيِيرِ الْبُنْيَوِيِّ:

قَبْلَ وُصُولِ الصَّدْرِ، كَانَتِ الْحَالَةُ الشَّعْبِيَّةُ فِي الْأَطْرَافِ اللُّبْنَانِيَّةِ تُعَانِي مِنَ اسْتِسْلَامٍ قَسْرِيٍّ لِوَاقِعِ الْإِقْطَاعِ السِّيَاسِيِّ وَالْحِرْمَانِ الِاجْتِمَاعِيِّ.

أَنْسَنَةُ الدِّينِ: نَقَلَ الصَّدْرُ الْخِطَابَ الدِّينِيَّ مِنَ الْمِسَاحَةِ التَّجْرِيدِيَّةِ وَالطَّقْسِيَّةِ إِلَى قَلْبِ الصِّرَاعِ الِاجْتِمَاعِيِّ، مُؤَكِّداً أَنَّ الْعِبَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَنَفَصِلُ عَنْ مُوَاجَهَةِ الظُّلْمِ. وَكَانَ يُكَرِّرُ: "إِنَّنِي أَصْرُخُ بِاسْمِ الْمَحْرُومِينَ".

تفكِيكُ الْإِقْطَاعِ: لَمْ يُوَاجِهْ الْإِقْطَاعَ السِّيَاسِيَّ بِالسِّلَاحِ، بَلْ عَبْرَ بِنَاءِ الْوَعْيِ الذَّاتِيِّ لَدَى الْفِئَاتِ الْمُهَمَّشَةِ، مُتَجَاوِزاً الزَّعَامَاتِ التَّقْلِيدِيَّةَ الَّتِي احْتَكَرَتِ التَّمْثِيلَ لِقُرُونٍ. وَكَانَ يُوَجِّهُ لَهُمْ مُبَاشَرَةً: "أَيُّهَا السِّيَاسِيُّونَ ارْحَلُوا، أَنْتُمُ الآفَةُ".

الثَّوْرَةُ الْمُؤَسَّسَاتِيَّةُ: أَسَّسَ رُؤْيَتَهُ عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ الْعَاطِفَةَ تَزُولُ وَالْوَعْيَ يَبْقَى، فَأَنْشَأَ مَهَنِيَّاتٍ وَمَرَاكِزَ تَدْرِيبٍ (كَمَعْهَدِ جَبَلِ عَامِلَ الْمِهَنِيِّ) لِإِنْتَاجِ مُجْتَمَعٍ مُنْتِجٍ يَمْلِكُ أَدَوَاتِ عَيْشِهِ وَلَا يَنْتَظِرُ صَدَقَةً مِنْ أَحَدٍ.

ثَانِياً: جُذُورُ «النَّهْجِ الْمُقَاوِمِ»..

مِنْ إِطْلَاقِ الشَّرَارَةِ إِلَى دَحْرِ الِاحْتِلَالِ: لَمْ يَكُنْ خِيَارُ الْمُقَاوَمَةِ لَدَى الْإِمَامِ الصَّدْرِ تَكْتِيكاً طَارِئاً، بَلْ كَانَ رُكْناً أَصِيلاً فِي مَنْظُومَتِهِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ، حَيْثُ وَضَعَ اللَّبِنَاتِ الْأُولَى لِلْفِعْلِ الْمُقَاوِمِ الَّذِي غَيَّرَ مُعَادَلَاتِ الصِّرَاعِ فِي الْمِنْطَقَةِ:

تَأْسِيسُ عَقِيدَةِ الْمُوَاجَهَةِ: أَرْسَى الصَّدْرُ الْقَاعِدَةَ الْفِكْرِيَّةَ وَالتَّنْظِيمِيَّةَ لِلْمُقَاوَمَةِ الْوَطَنِيَّةِ ضِدَّ الِاحْتِلَالِ الصَّهْيُونِيِّ، مُحَوِّلاً الْمُجْتَمَعَ الْجَنُوبِيَّ مِنْ مَوْقِعِ «الْمُتَلَقِّي لِلضَّرَبَاتِ» إِلَى مَوْقِعِ «الْمُبَادِرِ وَالْمُدَافِعِ عَنْ أَرْضِهِ وَكَرَامَتِهِ».

الشَّرَارَةُ الَّتِي أَثْمَرَتْ تَحْرِيراً:

إِنَّ الْبُذُورَ التَّنْظِيمِيَّةَ وَالْعَقَائِديَّةَ الَّتِي غَرَسَهَا الصَّدْرُ فِي سَبْعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي هِيَ الَّتِي أَطْلَقَتِ الْمَسَارَ الْمُقَاوِمَ الَّذِي تَطَوَّرَ تَرَاكُمِيّاً حَتَّى تُوِّجَ بِإِنْجَازِ دَحْرِ الِاحْتِلَالِ الصَّهْيُونِيِّ وَطَرْدِهِ مِنْ مُعْظَمِ الْأَرَاضِي اللُّبْنَانِيَّةِ عَامَ 2000.

مُعَادَلَةُ الْحِرْمَانِ وَالْمُقَاوَمَةِ: رَبَطَ الْإِمَامُ الصَّدْرُ رَبْطاً حَتْمِيّاً بَيْنَ رِفْعَةِ الْكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ، فَالْمُقَاوَمَةُ فِي جَوْهَرِهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ سِلَاحٍ، بَلْ هِيَ ثَوْرَةٌ عَلَى الْبُؤْسِ وَالْحِرْمَانِ أَوَّلاً، وَدِفَاعٌ عَنِ الْأَرْضِ ثَانِياً. وَمِنْ هُنَا، يَظَلُّ نَهْجُ الْمُقَاوَمَةِ حَيّاً وَمُسْتَمِرّاً بِالضَّرُورَةِ وَالتَّكْلِيفِ مَا دَامَ هُنَاكَ بُؤْسٌ وَحِرْمَانٌ وَاخْتِلَالٌ فِي مَوَازِينِ الْعَدَالَةِ وَالْكَرَامَةِ.

ثَالِثاً: «مِيثَاقُ الْمُوَاطَنَةِ».. تَجَاوُزُ الطَّائِفِيَّةِ نَحْوَ «الدَّوْلَةِ الْعَادِلَةِ»:

لَمْ يَطْرَحِ الْإِمَامُ الصَّدْرُ مَشْرُوعاً فِئَوِيّاً مُغْلَقاً، بَلْ قَدَّمَ رُؤْيَةً مُتَقَدِّمَةً لِمَفْهُومِ «الْمُوَاطَنَةِ» سَبَقَتْ زَمَانَهَا فِي الْأَدَبِيَّاتِ السِّيَاسِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ.

صِيغَةُ الْعَيْشِ الْمُشْتَرَكِ كَضَرُورَةٍ حَضَارِيَّةٍ: اعْتَبَرَ أَنَّ التَّنَوُّعَ الطَّائِفِيَّ فِي لُبْنَانَ لَيْسَ عِبْئاً، بَلْ "ثَرْوَةٌ حَضَارِيَّةٌ وَإِنْسَانِيَّةٌ" يَجِبُ الْحِفَاظُ عَلَيْهَا. وَكَانَ يُؤَكِّدُ: "لُبْنَانُ لَيْسَ وَطَناً لِطَائِفَةٍ، بَلْ هُوَ وَطَنٌ لِجَمِيعِ أَبْنَائِهِ".

الِارْتِقَاءُ بِالطَّائِفَةِ إِلَى الْوَطَنِ: كَانَ يَرَى أَنَّ تَنْظِيمَ الْفِئَاتِ الْمُهَمَّشَةِ فِي أُطُرٍ قَانُونِيَّةٍ وَمُؤَسَّسَاتِيَّةٍ لَيْسَ هَدَفاً بِذَاتِهِ، بَلْ خَطْوَةٌ لِدَمْجِهَا كَشُرَكَاءَ مُتَسَاوِينَ فِي «مَشْرُوعِ الدَّوْلَةِ»، مُبْطِلاً التُّهْمَةَ التَّارِيخِيَّةَ عَنِ الْأَطْرَافِ بِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الْقَانُونِ.

عَقْلَانِيَّةُ الْمُقَاوَمَةِ لِلدَّوْلَةِ: وَضَعَ نَوَاتِجَ الْفِكْرِ الْمُقَاوِمِ فِي أُطُرٍ أَخْلَاقِيَّةٍ وَوَطَنِيَّةٍ صَارِمَةٍ، فَالْمُقَاوَمَةُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ غَايَةً بِذَاتِهَا، بَلْ هِيَ وَسِيلَةٌ اضْطِرَارِيَّةٌ لِدَفْعِ الْعُدْوَانِ وَدَعْمِ سِيَادَةِ الدَّوْلَةِ وَحِمَايَتِهَا حِينَ تَعْجَزُ الْمُؤَسَّسَاتُ الرَّسْمِيَّةُ.

رَابِعاً: الدِّبْلُومَاسِيَّةُ الْوِقَائِيَّةُ وَالعَابِرَةُ لِلْحُدُودِ.

امْتَلَكَ الْإِمَامُ الصَّدْرُ حِسّاً جِيُوسِيَاسِيّاً رَفِيعاً، جَعَلَهُ يَتَحَرَّكُ عَلَى السَّاحَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ لِمَنْعِ انْفِجَارِ لُبْنَانَ وَإِطْفَاءِ الْحَرَائِقِ قَبْلَ اشْتِعَالِهَا.

— رُؤْيَةُ الصَّدْرِ الْجِيُوسِيَاسِيَّةُ:

لُبْنَانُ نَمُوذَجُ التَّعَدُّدِيَّةِ وَالْمُوَاطَنَةِ (رَفْضُ التَّقْسِيمِ وَالْكَانْتُونَاتِ) ├فِلَسْطِينُ: الْقَضِيَّةُ الْأَخْلَاقِيَّةُ وَالْمَرْكَزِيَّةُ لِلْأُمَّةِ (رَفْضُ التَّصْفِيَةِ وَالتَّأْطِيرِ الْفِئَوِيِّ)

الْعَالَمُ الْعَرَبِيُّ: عُمْقٌ اسْتْرَاتِيجِيٌّ لِبِنَاءِ تَوَازُنٍ يَمْنَعُ الْهَيْمَنَةَ.

الدِّبْلُومَاسِيَّةُ الْمَكُّوكِيَّةُ:

قَادَ حَرَاكاً بَيْنَ الْعَوَاصِمِ الْعَرَبِيَّةِ لِتَطْوِيقِ أَزَمَاتِ الْحَرْبِ الْأَهْلِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ فِي بِدَايَاتِهَا، رَافِضاً تَحْوِيلَ لُبْنَانَ إِلَى سَاحَةٍ لِتَصْفِيَةِ الْحِسَابَاتِ الْإِقْلِيمِيَّةِ.

الْبُوصَلَةُ الْفِلَسْطِينِيَّةُ:

اعْتَبَرَ قَضِيَّةَ فِلَسْطِينَ الْمِعْيَارَ الْأَخْلَاقِيَّ وَالْإِنْسَانِيَّ الْأَوَّلَ، مَعَ تَأْكِيدِهِ حِمَايَةَ لُبْنَانَ وَاسْتِقْلَالِيَّتِهِ.

خَامِساً: غِيَابُ الْجَسَدِ وَحُضُورُ الْمَنْهَجِ.

إِنَّ الْجَرِيمَةَ الَّتِي ارْتُكِبَتْ جَرَّاءِ إِخْفَاءِ الْإِمَامِ وَرَفِيقَيْهِ عَامَ 1978 لَمْ تَكُنِ اسْتِهْدَافاً لِشَخْصٍ، بَلْ كَانَتْ مُحَاوَلَةً بَائِسَةً لِاغْتِيَالِ «الْمَشْرُوعِ الثَّالِثِ» فِي الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ: الْمَشْرُوعُ الَّذِي يَرْفُضُ الدِّكْتَاتُورِيَّةَ وَالِارْتِهَانَ لِلْخَارِجِ، وَيَرْفُضُ الْفَوْضَى وَالتَّطَرُّفَ وَالطَّائِفِيَّةَ وَالتَّفْرِيطَ بِالْكَرَامَةِ. يَتَبَيَّنُ أَنَّ الصَّدْرَ لَمْ يَكُنْ رَجُلاً لِمَرْحَلَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، بَلْ كَانَ صَاحِبَ «خَارِطَةِ طَرِيقٍ» لَا تَزَالُ صَالِحَةً لِقِرَاءَةِ أَزَمَاتِ الْمِنْطَقَةِ:

لَا اسْتِقْرَارَ بِلَا عَدَالَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَمُكَافَحَةٍ لِلْبُؤْسِ.

لَا سِيَادَةَ بِلَا دَوْلَةِ قَانُونٍ حَامِيَةٍ وَمُقَاوَمَةٍ تَمْنَعُ الْعُدْوَانَ.

لَا قُوَّةَ لِأَيِّ طَائِفَةٍ إِنْ خَسِرْنَا الْوَطَنَ.

— الْإِمَامُ مِعْيَارٍ أَخْلَاقِيٍّ:

يَبْقَى مُوسَى الصَّدْرُ الشَّاهِدَ وَالْحَاضِرَ فِي كُلِّ سِجَالٍ حَوْلَ هُوِيَّةِ لُبْنَانَ وَمُسْتَقْبَلِهِ. لَقَدْ تَرَكَ خَلْفَهُ أَثَراً عَصِيّاً عَلَى التَّغْيِيبِ: أَنَّ السِّيَاسَةَ إِذَا جُرِّدَتْ مِنَ الْأَخْلَاقِ أَصْبَحَتْ تِجَارَةً، وَأَنَّ الْمُقَاوَمَةَ إِذَا انْفَصَلَتْ عَنْ رَفْعِ الْحِرْمَانِ وَبِنَاءِ الْإِنْسَانِ فَقَدَتْ بُوصَلَتَهَا. لَمْ يُهْزَمْ مَشْرُوعُ الصَّدْرِ بِتَغْيِيبِهِ، بَلْ تَحَوَّلَ نَهْجُهُ إِلَى مَدْرَسَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ تُسْتَحْضَرُ كُلَّمَا وَاجَهَ الْوَطَنُ خَطَراً أَوْ احْتِلَالاً، وَكُلَّمَا اسْتَشْرَى فِي مُجْتَمَعَاتِهِ بُؤْسٌ أَوْ حِرْمَانٌ. وَالسُّؤَالُ الْيَوْمَ لَيْسَ أَيْنَ الْإِمَامُ؟ السُّؤَالُ: أَيْنَ نَحْنُ مِنْ مَشْرُوعِ الْإِمَامِ؟