الاحتلال الاسرائيلي لا يحتاج إلى ذرائع ... فلماذا يتطوع بعض الفلسطينيين والعرب لتبرير جرائمه ؟
مقالات
الاحتلال الاسرائيلي لا يحتاج إلى ذرائع ... فلماذا يتطوع بعض الفلسطينيين والعرب لتبرير جرائمه ؟
مهدي مبارك عبد الله
11 أيلول 2026 , 01:05 ص

د . مهدي مبارك عبد الله

بداية مضمون هذا المقال ليس مجرد رد على خطاب عابر وإنما تحليل دقيق يتناول أعماق معركة الرواية والوعي وكيف يمكن للظلم أن يرسخ نفسه ليس بمعايير القوة فقط بل بالتحايل وإرباك المفاهيم وتحويل الأنظار عن جوهر وأصل المشكلة الى اطرافها الهامشية والمؤسف أن تكرار تحميل المقاومة مسؤولية التصعيد عند البعض الفلسطيني والعربي يتزامن مع اتساع الاستيطان وتصاعد اعتداءات المستوطنين واستمرار سياسات الابادة الجماعية والتدمير وهذا الخطاب النشاز الذي تتبناه حسابات ذباب شبكة أفيخاي ادرعي و عملاء بعض الانظمة العربية يروج لما يعرف بسياسة سد الذرائع والتي تواجه رفضًا متزايدًا باعتبارها تتجاهل واقع الاحتلال وتختزل أسباب التصعيد في الفعل الفلسطيني بينما تستمر السياسات الإسرائيلية على الأرض دون انقطاع .

في تفاصيل المشهد العام نلاحظ انه ليس أخطر ما يفعله الاحتلال انه يقتل الفلسطيني أو يهدم منزله أو يغتصب أرضه بل أن ينجح في إقناع بعض الفلسطينيين والعرب بأن الضحية هي المسؤولة عن جريمة جلادها حين يصبح الدم الفلسطيني موضع اتهام ويُطالب صاحب الأرض بتقديم التبرير لمحتلها سنكون بذلك أمام أخطر أشكال الهزيمة لأنها لا تقع على الأرض فقط بل تمتد إلى الادراك والوعي حيث لا تستهدف الجسد وحده بل البوصلة الأخلاقية للأمة جمعاء .

اللافت انه مع كل مرة ترتكب فيها قوات الاحتلال الاسرائيلي أو عصابات قطعان المستوطنين جريمة جديدة بحق الفلسطينيين من قتل واعتقال واقتحام وحرق للبيوت واقتلاع للأشجار ومصادرة للأراضي، يعود الخطاب ذاته إلى الواجهة حيث ينشغل البعض بالبحث عن ذريعة للجريمة بدل من البحث عن مرتكبها الحقيقي وتحويل الفلسطيني من صاحب حق إلى متهم ومن ضحية لعدوان مستمر إلى مسؤول عن العدوان الذي وقع عليه.

هذا المستوى من التحليلي والتفكير ليس مجرد قراءة سياسية خاطئة بل انقلاب كامل على المنطق والعدالة والقانون خاصة وان الاحتلال المجرم لم يكن يومًا بحاجة إلى ذريعة كي يمارس القتل والاستيطان والقمع لأن وجوده قائم أساسًا على السيطرة بالقوة وفرض الأمر الواقع وتغيير الحقائق على الأرض أما تقديم الذرائع فهي مجرد أدوات إعلامية وسياسية تُستخدم لتجميل الجريمة وتخفيف وقعها أمام الرأي العام وهذا الخطاب العاجز يصب كليا في خدمة الرواية الإسرائيلية ويحول الأنظار عن سياسات الاحتلال المتمثلة بالاستيطان والضم والاعتداءات اليومية بحق الفلسطينيين .

واقعيا التجربة الفلسطينية الممتدة لعقود أثبتت مرات عديدة أن الاستيطان لم يتوقف في فترات الهدوء كما لم تنتهي مصادرة الأراضي واقتحامات المدن وتهويد القدس والاعتقالات الجماعية عندما كانت المواجهات أقل حدة والمشروع الاستيطاني المنظم لم يكن يومًا رد فعل على ممارسات فلسطينية بل كان مخططا قائمًا بذاته هدفه السيطرة على الأرض وتغيير هويتها وطرد اصاحبها والثابت إن اعتداءات الاحتلال والمستوطنين مستمرة في مختلف أنحاء الضفة الغربية بغض النظر عن وجود عمليات مقاومة من عدمها .

السؤال الذي يعيدنا الى الماي القريب هل كانت عائلة دوابشة التي أحرقت وهي نائمة بحاجة إلى ذريعة لتبرير الجريمة وهل احتاج الاحتلال إلى مبررات اخرى لمواصلة بناء المستوطنات أو فرض الحصار أو ممارسة العقاب الجماعي في وقت لا زالت تؤكد فيه هذه الجرائم وغيرها أن الاحتلال لا ينتظر أسبابًا ليبطش ويقتل ويدمر بل هو يصنع مبرراته الكافية عندما يحتاج إليها ويعرضها على العالم بلا خجل .

مع كل هذا الفهم والوضوح يظهر بعد كل جريمة من يكرر أن الفلسطيني هو من منح الاحتلال الذريعة للقيام بها وهنا تكمن خطورة المعركة على الوعي خصوصا وان الاحتلال لا يسعى فقط إلى السيطرة على الأرض بل يريد أيضًا السيطرة على الرواية وتفاصيلها الكاملة وعندما يتولى بعض أبناء القضية أنفسهم إعادة إنتاج ما ينسجه روايات فإنهم يقدمون له خدمة سياسية وإعلامية مجانية تساهم في تجذير المأساة .

إن مفهوم سد الذرائع في الفقه الإسلامي هو مبدأ هدفه حماية مصالح الناس ومنع الضرر لكنه لم يكن يومًا دعوة إلى مطالبة المظلوم بالصمت أو إعفاء الظالم من المسؤولية وان تحويل هذا المفهوم اليوم إلى أداة سياسية لتجريم الفلسطيني يمثل تحريفًا خبيثا لمعناه وتحويلًا مسموما لغاياته من وسيلة لحماية المجتمع إلى وسيلة لتقييد صاحب الحق وظلمه .

المفارقة الابرز في هذا التوجه أن هذا الخطاب لا يكتفي بمهاجمة شكل محدد من أشكال المقاومة بل يمتد ليطاول كل أشكال الفعل الفلسطيني الوطني من الدفاع عن الأرض إلى النضال الشعبي والقانوني والتجاري والإعلامي وبهذا التحريف تُفصل الأحداث عن سياقها الحقيقي ويُطلب من الضحية دائمًا أن تثبت حسن سلوكها بينما يُمنح الجلاد مساحة مفتوحة لمواصلة جرائمه وغطرسته .

الاقرار والعمل بهذه السياسة ليست جديد في تاريخ الشعوب الواقعة تحت الاستعمار فقد استخدمتها قوى استعمارية كثيرة عبر التاريخ من الجزائر إلى الهند وجنوب أفريقيا حيث كان المستعمر يرفع دائمًا شعارات الأمن والاستقرار والنظام العام لتبرير القمع وإسكات أصحاب الأرض والمقاومين لكن رغم قوة وحجية هذه الذرائع الا انها لم توقف او ترهب حركات التحرر بل كشفت اكثر عن طبيعة الأنظمة التي صنعتها.

اليوم تأخذ الاجراءات الداعمة لهذه السياسة شكلًا أكثر تعقيدًا عبر المعركة الإعلامية حيث يجري قلب الحقائق وتحويل المعتدي إلى مدافع عن النفس واعتبار الضحية إلى مصدر للخطر وتزداد خطورة هذا المشهد عندما تتبنى بعض المنابر والحسابات الفلسطينية والعربية تسويق وتصديق هذه اللغة فتنتقل الرواية التي صاغها الاحتلال إلى الداخل العربي والفلسطيني وتصبح جزءًا من عملية تشويه الوعي وغسيل الدماغ .

بعض النتائج الكارثية لمثل هذا الخطاب أنه يغير بوصلة الصراع وبدل أن يكون السؤال لماذا يقتل الاحتلال ويستولي على الأرض ويواصل الاستيطان يصبح لماذا يتصرف الفلسطيني بطريقة تعطي الاحتلال مبررًا مقبولا وسهلا لمزيد من الجرائم وبدل أن يُحاسب الجلاد على جريمته يُطلب من الضحية أن تقدم اعتذار وتفسيرًا لمعاناتها .

ما يجب ادراكه وفهمه جيدا ان رفض هذا المنطق لا يعني بتاتا تجاهل الحسابات السياسية أو أهمية استعمال الحكمة في إدارة الصراع خاصة وان كل شعب من حقه أن يختار أدوات ووسائل نضاله وفق مصالحه وظروفه لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الحكمة التي تخدم القضية وبين تحويل الخوف إلى فلسفة سياسية تبرر الصمت أمام العدوان كقاعدة عوضا ان تكون استثناء .

لعل أخطر ما يراهن عليه الاحتلال اليوم ليس فقط تفوقه العسكري بل نجاحه في تفكيك الوعي الفلسطيني والعربي بحيث ينشغل الناس بمحاكمة الضحية بدل محاكمة الجلاد وبالبحث عن أخطاء الفلسطيني بدل مساءلة الاحتلال عن جرائمه وعندما تنتقل هذه الرواية من دوائر الدعاية الإسرائيلية إلى بعض الأصوات العربية والفلسطينية، فإن الاحتلال يحقق انتصارًا مجانيًا في معركة الرواية قبل أي معركة أخرى.

التكتيك العسكري والاستخباراتي الحديث اثبت بان الحروب لم تعد تُحسم بالسلاح وحده بل أيضًا بالقضاء على مفاعيل الوعي والقدرة على رواية الحقيقة الصادقة ومن هنا فإن الدفاع عن الحق الفلسطيني لا يعني فقط حماية الأرض بل وحماية الرواية ايضا من العبث والتشويه لأن خسارة الوعي قد تكون أخطر من خسارة المكان سيما وان الشعوب التي تفقد قدرتها على التمييز بين الجلاد والضحية تصبح أكثر عرضة لقبول الظلم وكأنه قدر لا يمكن تغييره او الفرار منه .

ختاما : الى كل الذين يظنون أن الاقتراب من رواية المحتل أو تبرير جرائمه يمكن أن يمنحهم مكانة أو حماية فهم واهمون لان التاريخ في جميع مراحلة وفصوله لا يحترم من يبررون الظلم ولا يمنح الخلود لمن يقفون في صف القوة ضد الحق وقد أثبتت تجارب الشعوب أن الاحتلالات مهما طال عمرها سوف ترحل لكن المواقف الوطنية البطولية والمشرفة تبقى شاهدة على أصحابها .

لهذا فان من اختار الدفاع عن العدالة وكرامة الإنسان يبقي اسمه حاضرًا في ذاكرة وطنه وشعبه أما من اختار أن يكون غطاءً لجرائم المحتل فلن يجد في النهاية إلا حكم الازدراء القاسي لأن الشعوب قد تختلف في السياسة والمواقف لكنها لا تنسى من وقف مع الظلم ضد أصحاب الحق ومع ان الاحتلال قد يربح على الارض جولة ما وقد ينجح في شراء بعض الأصوات الرخيصة لكنه لا يستطيع ابدا شراء احترام التاريخ ولا تغيير حكم الشعوب على من اختاروا الطريق الخطأ ضد وطنه واهله .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]