ما جرى في مرتفعات علي الطاهر لا يمكن قراءته، علميًا ومهنيًا، بوصفه مجرد عملية عسكرية لتدمير منشآت تحت الأرض. فبحسب ما أعلنته إسرائيل وما نقلته تقارير متقاطعة، استُخدم أكثر من 1100 طن من المتفجرات لتدمير شبكة تحت أرضية تمتد لنحو كيلومترين، فيما رُصد بالتزامن حدث زلزالي بقوة 4.1 درجات في جنوب لبنان. كما أظهرت المشاهد اللاحقة تغيّرًا واضحًا في أجزاء من شكل المرتفع، واختفاء مساحات من الغطاء النباتي وتراكم الركام والغبار في المناطق المحيطة.
لكن من الضروري هنا تصحيح المقارنة المتداولة مع «قنبلة نووية تكتيكية». 1100 طن من المكافئ المتفجر تعادل حسابيًا نحو 1.1 كيلوطن من مادة TNT، وهي طاقة تقع بالفعل ضمن نطاق القدرة التفجيرية لبعض الأسلحة النووية منخفضة العائد. غير أن ذلك لا يجعل التفجير مكافئًا علميًا لتفجير نووي؛ فالقنبلة النووية تطلق طاقتها في زمن شديد القصر وبآليات مختلفة، وتنتج إشعاعًا حراريًا ومؤينًا وقد تُحدث تلوثًا إشعاعيًا، بينما التفجير التقليدي الموزع داخل شبكة أنفاق ينقل الطاقة إلى الصخور والتربة بطريقة مختلفة جذريًا. لذلك فالصياغة العلمية الأدق هي: كمية المتفجرات المعلنة تحمل مكافئًا اسميًا يقارب 1.1 كيلوطن من TNT، لا أن جنوب لبنان تعرض لقنبلة نووية تكتيكية.
الأخطر أن المسألة تتجاوز رقم القوة التفجيرية إلى الأثر الجيولوجي. عندما تُفجَّر كميات هائلة من المواد المتفجرة داخل تجاويف ومنشآت صخرية تحت الأرض، تنتقل موجات الإجهاد عبر الكتلة الصخرية، ويمكن أن تتسبب بتشقق موضعي للصخور، وانهيارات داخلية، وزعزعة المنحدرات، وإعادة توزيع الركام والفراغات تحت السطح. وتسجيل حدث بقوة 4.1 لا يعني أن إسرائيل «صنعت زلزالًا طبيعيًا» بالمعنى التكتوني؛ بل إن التفجير أنتج إشارة زلزالية التقطتها أجهزة الرصد. وهذه نقطة تزيد خطورة الحدث بدل أن تقللها: عمل عسكري متعمد كان قويًا بما يكفي ليُسجَّل جيوفيزيائيًا على أجهزة رصد الزلازل.
بيئيًا، نحن أمام سؤال أكبر بكثير من تدمير الأنفاق. فالانفجارات الضخمة يمكن أن تؤدي إلى اقتلاع الغطاء النباتي، وتفتيت الطبقات السطحية، وإطلاق كميات كبيرة من الغبار والجسيمات الدقيقة، وزيادة قابلية التربة للانجراف، فضلًا عن احتمال تغيير مسارات المياه داخل الصخور المتشققة أو التأثير في الينابيع والمياه الجوفية محليًا؛ لكن تحديد حجم هذه الآثار الأخيرة يحتاج إلى مسح هيدروجيولوجي وميداني مستقل ولا يصح الجزم بها من الصور وحدها. التقارير الميدانية تحدثت بالفعل عن اختفاء مساحات واسعة من النباتات وتغير المشهد الطبيعي للمرتفع، وعن غبار وركام امتدا إلى المناطق المحيطة.
وهنا تتبدل طبيعة السؤال من: ماذا دمّرت إسرائيل تحت الأرض؟ إلى: ماذا فعلت إسرائيل بالأرض نفسها؟ فحتى بافتراض صحة الرواية العسكرية الإسرائيلية كاملة، تبقى هناك مسألة التناسب بين الهدف العسكري والوسيلة المستخدمة وآثارها الممتدة إلى المحيط المدني والبيئي. عندما تصبح كتلة جبلية بأكملها حقلًا لتفجير أكثر من ألف طن من المتفجرات قرب تجمعات مأهولة، فإن الأرض والتضاريس والنظام البيئي والممتلكات المدنية تدخل جميعها في نطاق الضرر الذي ينبغي توثيقه وقياسه، لا التعامل معه باعتباره أثرًا جانبيًا عابرًا. وقد وثقت تقارير أضرارًا وركامًا قرب كفرتبنيت وتغيرًا كبيرًا في المشهد الطبيعي بعد التفجيرات.
أما سياسيًا، فالمشهد يكشف وجهًا آخر للعقيدة الإسرائيلية في جنوب لبنان: تحويل فائض القوة النارية إلى أداة لإعادة تشكيل المكان نفسه. إسرائيل لم تكتفِ بإعلان تدمير منشأة عسكرية، بل قدّمت العملية باعتبارها استكمالًا لما تسميه «المنطقة الأمنية»، وهو ما يجعل تفجير علي الطاهر جزءًا من محاولة فرض وقائع جغرافية وأمنية بالقوة داخل الأراضي اللبنانية، لا مجرد ضربة عسكرية منفصلة.
والمفارقة الأشد قسوة أن انفجارًا بهذه الضخامة، سُمع وشُعر به على نطاق واسع وسُجّل على أجهزة الرصد الزلزالي، لا ينبغي أن ينتهي بانطفاء غبار التفجير. المطلوب لبنانيًا ليس الاكتفاء ببيان سياسي، بل تشكيل فريق علمي مستقل من اختصاصيي الجيولوجيا والهندسة الجيوتقنية والمياه والبيئة والزلازل لإجراء مسح ميداني للمرتفع ومحيطه، وأخذ عينات من التربة والمياه والغبار، ورسم خريطة للتشققات والانهيارات وتغير التضاريس، وتوثيق الأضرار المدنية والبيئية ضمن ملف تقني قابل للاستخدام دوليًا.
علي الطاهر، بهذا المعنى، ليس مجرد جبل جرى تفجير أنفاقه. إنه موقع ينبغي أن يتحول إلى ملف علمي موثّق عن حجم القوة التي استخدمتها إسرائيل ضد أرض لبنانية؛ لأن الحروب لا تقتل البشر وتهدم البيوت فقط، بل قد تجرح الجغرافيا نفسها، وتترك في الصخور والتربة والمياه ذاكرةً أطول عمرًا من صوت الانفجار.
عباس المعلم - كاتب سياسي