«حين يلبس التكفير جبة الدين، ويستأجر العنف لخدمة مشاريع الهيمنة؛ رصاص في صدور الأوطان، وصمت أمام المحتل، وفتاوى مشايخ التكفير تقصي التفكير، حين يصبح الدم بضاعة المتاجرين بالمقدس.»
لم أقترب من هذا الملف طلبا لمعركة مع طرف آخر، ولا بحثا عن خصومة مع دين الإسلام الحنيف؛ وإنما لأن الإرهاب، حين يتدثر بالمقدس ويحول النص إلى سيف وخنجر، يصبح الصمت أمامه ضربا من التواطؤ مع الجريمة. أكتب عنه بجرأة الكاتب الذي يرى أن الكلمة قد تكون مشرطا للوعي حين تعجز فوهات البنادق عن استئصال الوهم، وأن مواجهة الإرهاب والتطرف تبدأ بكشف بنيته الفكرية ومسارات توظيفه السياسي، دون مواربة أو تزييف.
ولست أكتب مقالاتي من برج عاجي، بل من موقع من يرى في الإسلام الحنيف رسالة رحمة وحرمة دم وصيانة إنسان؛ فالحق سبحانه يقول: ﴿ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾. لذلك فمعركتي هنا ليست مع الإسلام بل مع الذين يحاولون اختطاف اسمه، وتحويل التكفير إلى مانيفيستو للقتل، والفتوى إلى رخصة للفوضى الخلاقة، والمقدس إلى غطاء لصراعات تتجاوز الدين والوطن والإنسان.
التطرف والإرهاب لا يولد دائما من فوهة مسدس؛ أحيانا يبدأ من منبر ضيق، وكتاب مغلق، وفتوى تجعل الاختلاف خطيئة في نظر من يدعون أنهم الفرقة الوحيدة الناجية، والسؤال شبهة، والعقل متهما دائما. وفي بعض البيئات الدينية التي خرجت من أرض رملية، برز خطاب شديد الصرامة أعاد رسم الحدود بين الإيمان والانحراف ووسع دائرة التبديع والترويع، ثم انتقل أثر بعض مفرداته عبر الأزمنة والمدارس، حتى وجد صدى لدى تيارات أكثر عنفا في مراحل لاحقة. ذلك التيار الصحراوي القادم من تخوم بقعة رملية حارة، الذي عرف تاريخيا بالتعصب والتشدد في بعض مسائل التوحيد ومحاربة ما اعتبره بدعا أو مظاهر شرك، وغض البصر عن جرائم الصهاينة. لم يبق أثره محصورا في زمنه؛ فقد انتقلت بعض أدبياته إلى فضاءات أوسع وبحبر وختم مذهب بريطاني، واختلطت، في مراحل مختلفة، بحسابات السلطة والنفوذ والجغرافيا السياسية.
ولا نحكم على مدرسة فكرية تقبل الحوار والنقاش والتفكير عوض التكفير بالخطيئة، بل المطلوب تفكيك النسخة المؤدلجة من الخطاب حين تفقد ميزان الرحمة والعقل والمقصد. ومن أخطر التحولات أن تتحول كلمة «بدعة» إلى بوابة، و «التكفير» إلى ختم، و «الفتوى» إلى تصريح مرور نحو البارود والسكين. عندها لا يعود المختلف إنسانا له حرمة، بل يصبح رقما في لائحة الإقصاء؛ ومن هنا قد تنحدر الفكرة من الورق إلى المنبر، ومن المنبر إلى التحريض، ومن التحريض إلى المتفجرات وأمشاط الرصاص. وقد شهد العصر الحديث صعود تنظيمات مسلحة عابرة للحدود استند بعضها إلى قراءات تكفيرية متشددة، وأعاد توظيف مفردات دينية داخل مانيفيستو جهادي حديث؛ فصار التكفير أداة تعبئة، والقتل وسيلة ترهيب ودعاية، وضرب استقرار البلاد والتآمر على جيوشها الوطنية مشروعا لإعادة تشكيل المجتمعات. وفي هذه النقطة يتقاطع اللاهوت المؤدلج مع الجيوبوليتيك، ويصبح الإنسان البسيط وقودا لصراعات أكبر من شعاراته. أما الحديث عن توظيف قوى دولية أو إقليمية لبعض الجماعات المتطرفة، فمن حق المتابعين لهذا الشأن الحساس أن يكون خاضعا للوثيقة والسياق والحالة المحددة؛ فالتاريخ الحديث يعرف بالفعل حالات موثقة من دعم وتسليح جماعات مسلحة لخدمة أهداف استراتيجية، لكنه لا يبرر اختزال جميع الحركات ذات الإفراط العقدي في غرفة عمليات واحدة أو إسناد كل جريمة إلى جهة واحدة دون دليل التحليل الرصين يفضح التوظيف حين تثبته الوقائع، ولا يستبدل الوثيقة بالظن. ومع ذلك تبقى المفارقة السياسية جديرة بالسؤال: كيف تستطيع جماعات ترفع شعارات الدفاع عن الدين أن تجعل ساحات عربية وإسلامية مسرحا للتفجير والتخريب والاغتيال، وتنحرف بوصلتها عن قضايا الاحتلال والاستقلال، بل قد تنخرط في صراعات تستنزف مجتمعاتها ومؤسسات دولها؟ هنا لا تكفي الشعارات؛ فالبوصلة تقاس بما تفعله الجماعات على الأرض، لا بما تكتبه على الرايات.
والإسلام لا يحتاج إلى متحدث باسم الانحراف الفكري؛ فالقرآن العظيم يقول: ﴿ ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾، ويقول: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾، لذلك فإن مواجهة الإرهاب والإرعاب ليست حربا على الدين، بل دفاع عن جوهره الأخلاقي ضد من يحاولون اختطافه.
في نهاية هذا المسار، لا يبقى الترويع لغزا عصيا على التفكيك، بل داء تتعدد أقنعته وتتقاطع موارده؛ يبدأ من فكرة تغلق باب السؤال، وقد ينتهي برصاصة تغلق باب الحياة. وبين البداية والنهاية تتكاثر الأقنعة: فتاوى بلا بصيرة، منابر بلا مسؤولية، وشعارات براقة تخفي وراءها دستور فكري للترويع. ولذلك فإن استئصال هذا الوباء لا يكون بإشهار سيف على دين ولا بتجريم آخرين، ولا بوضع المؤمنين في قفص الاتهام؛ وإنما باقتلاع الفكرة التي تستبيح النفس، وتجفيف منابع التحريض كما تجفف بؤر الباعوض وتحطم بيوضه قبل أن تفقس، وتهشيم الحلقة التي تجعل دوامة السائل الأحمر سلعة في أسواق الجيوبوليتيك. أما الكاتب، فواجبه أن يضع مرآة للفكرة حين تنحرف، وأن يقول ما يخشى آخرون قوله حين يصبح الصمت أكثر راحة من الحقيقة. لا أكتب لمسايرة الضجيج، بل لأزعج الباطل حين يختبئ خلف القداسة، وأدافع عن العقل حين يراد له أن يكون تابعا.وهكذا يعود المعنى إلى العنوان الأول: سفك الدماء داء، واستئصاله خير دواء؛ غير أن الاستئصال الحقيقي ليس استئصال الإنسان، وإنما اقتلاع الوهم الذي يحول النفس البشرية إلى قاتل أو مقتول. فإذا استعاد العقل مكانه، وتهاوت أقنعة الزندقة، وعادت حرمة الدم فوق كل شعار، تهشم السلاح الذي يتغذى من الجهل. فالدم ليس مدادا لفتوى، والوطن ليس مسرحا للتجارب والدين ليس معبرا إلى الجريمة؛ ومن أراد دواء لداء الدم، فليبدأ باستئصال الفكرة التي جعلت من السائل البشري الأحمر دواء زائفا لأمراض السياسة. وهنا يستقر نيشان قلمي: فحين يصبح سفك الدم داء، لا بد أن يتجه الاستئصال إلى بعض منابعه الفكرية؛ ولا سيما ذلك الميراث القادم من قلب بيئة رملية صحراوية، الذي كان سببا في نافورات من دماء المسلمين حيث اشتد خطاب التبديع والترويع والتكفير ونبذ التفكير والإرهاب والإرعاب تمشية لأحاديث الإسرائيليات، وتوارثت منصاته مفاتيح الإقصاء، حتى غدا الدواء الحقيقي يمكن في طمس وسحق الفكرة التي صنعت من ماكينة الموت عقيدة.
كاتب دمشقي حر في الغربة.