«فلسطين...بين أجراس الكنائس ونداء المآذن، حيث تتعانق الرسالتان المسيحية والإسلامية في وحدة الأخوة الإنسانية والرسائل السماوية، وتغدو حماية المقدسات وصون الكرامة عهدا جامعا في وجه الفظائع والانتهاك.»
ليست فلسطين جغرافيا تتنازعها الخرائط، ولا حكاية اختزلت في ذاكرة شعب دون سواه؛ إنها مرآة تتقابل على صفحتها الأديان والثقافات والضمائر، وتلتقي عند عتباتها ذاكرة السماء بآلام الأرض. ففي بيت لحم، حيث ولد السيد المسيح عيسى بن مريم البتول عليهما السلام؛ وفي القدس، حيث تتعانق رمزية المقدسات الإسلامية والمسيحية تحفظ للإنسان كرامته، وللمقدسات حرمتها، وللأوطان حقها في الحياة والسلام.
إن الدفاع عن حرمة المقدسات ليس امتيازا تمنحه العقائد لأتباعها، بل مسؤولية أخلاقية تفرضها كرامة الإنسان وحقه في الإيمان والأمن والأمان. وقد رسم القرآن الكريم لهذه العلاقة أفقا حضاريا رحبا بقوله تعالى: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ وبقوله سبحانه: ﴿ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ﴾ فالتعارف جسر إلى التآلف، والاختلاف نافذة للفهم، لا ذريعة للعداء والاقتتال. وحين تنتهك حرمة المساجد والكنائس، أو تحاصر أماكن العبادة، أو يقتل الأبرياء وتهدم البيوت فوق ساكنيها، فإن الجرح لا يستأذن هوية كي ينفذ إليها؛ بل يصيب الضمير البشري في أعمق مواضعه. وقد شهدت الأراضي الفلسطينية ولا سيما غزة دمارا واسعا وانتهاكات طالت الرضع والركع والرتع والمرافق الدينية.
لتبقى حماية الأبرياء وصون المقدسات ومحاسبة المسؤولين عن الفظائع واجبا إنسانيا لا تقبل حرمته انتقائية. وفي هذا المشهد التراجيدي، تتجلى أهمية محور الدفاع والنضال في لبنان وفلسطين وجنوب سوريا وغيرها، كما يبرز الدور الذي تضطلع به الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة هذه الهمجية والدفاع عن أمنها وأمن المنطقة وكرامة شعوبها وينبع تقديري بوصفي كاتبا ومحللا سياسيا وفنانا وطنيا شاملا أحمل فوق كتفي هموم الأمة، لمواقف بلاد فارس نابعا من إيماني بحق الشعوب في الزود عن سيادتها وصون مقدراتها، ورفض الهيمنة والاعتداء على حرمة الأوطان، ومن تطلعي إلى منطقة يسودها الاحترام المتبادل، وتحفظ فيها حقوق المسيحيين والمسلمين على السواء. فالدفاع عن الكرامة ليس خصومة مع دين بل موقف من أجل الإنسان، أيا كان معتقده أو موطنه.
ويكتسب الخطاب الذي وجهه فقيد الأمتين العربية والإسلامية الشهيد سماحة السيد علي خامنئي إلى الشباب الأمريكي دلالة حضارية تتجاوز حدود الجغرافيا، وصون كرامة الإنسان واحترام المعتقدات. وفي هذا الأفق، تتجلى قيمة الحوار بين الأديان بوصفه سبيلا لتبديد الصور النمطية وتشييد جسور التفاهم بين الشعوب، بعيدا عن الكراهية والإقصاء. ويستند هذا المعنى إلى روح القرآن الكريم، الذي يقرر مبدأ البر والقسط مع المسالمين يقول سبحانه: ﴿ أن تبروهم وتقسطوا إليهم ﴾، ويجعل الحكمة والموعظة الحسنة سبيلا إلى مخاطبة الآخر. إنها رسالة تجعل من الاختلاف مساحة للتعارف، ومن التعايش عهدا يصون تنوع البشرية من عبث التعصب والتشدد.
إن فلسطين ليست شأنا إسلاميا منفردا، ولا قضية مسيحية معزولة؛ إنها قضية الإنسان حين تنتهك حرمته، والإيمان حين تستباح مقدساته، والضمير حين يصمت أمام الألم. وبين أجراس الكنائس ونداء المآذن، تتجلى حقيقة الأخوة التي لا تمحوها الحدود ولا تفرقها المذاهب؛ حقيقة تقول إن وحدة المؤمنين من مسيحيين ومسلمين ليست ترفا عاطفيا، بل ضرورة أخلاقية وحضارية، وإن حرمة الكائن البشري لا تقل قداسة عن حرمة المقدسات، وإن صون إحداهما لا يكتمل دون صون الأخرى. فلتظل أرض الرياحين فلسطين جسرا للقاء لا متراسا للفرقة، ولتكن مقدساتها عهدا بين الضمائر، لا ساحة لتنازعها؛ إذ لا يكتمل قداس السماء ما دامت كرامة النفس تنتهك على الأرض. إن وحدة وتلاحم المسيحيين والمسلمين ميثاق كرامة ومصير، تتكسر على صلابته أطماع الصهيونية، وتصان به المقدسات، وتسترجع الإنسانية شرفها المهدور.
كاتب حر، فنان وطني وإعلامي دمشقي سابق خارج الوطن.