«من جبروت فرعون والنمرود وهامان إلى سياسات نتنياهو وترامب: غزة الشموخ والعزة مرآة الاستعلاء، وسورية ساحة التوغّل الإسرائيلي، ومخاطر القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج سؤالٌ عن السيادة، فيما يختبر الصمت العربي صدقية النظام الدولي وضمير الإنسانية»
حين تستحضر آيات القرآن المباركة فرعون وثمود، فإنها تفتح أمام الوعي الإنساني سجلًّا للعاقبة التي تنتظر الاستعلاء حين ينفصل عن الإنصاف، ويغدو امتلاك القوة ذريعةً للتسلط على الآخرين. وتستدعي صورة النمرود جدل السلطة التي تنازع الحق، فيما يحيل ذكر هامان إلى جهاز النفوذ الذي يساند الاستبداد ويهيّئ له أسباب البقاء. ومن هذه الدلالات، يمكن قراءة سياسات بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب بوصفها نموذجًا معاصرًا لاجتماع القوة العسكرية العدوانية والنفوذ السياسي والتبرير الأيديولوجي؛ لا على سبيل المطابقة الحرفية بين شخصيات التاريخ والحاضر، بل لكشف منطق سياسي يتعامل مع حقوق الشعوب باعتبارها عقبة أمام مشاريع الهيمنة. فحين تتسع الهوة بين قوة الدولة وعدالة سياساتها، يصبح التاريخ مرآةً لا يستطيع أصحاب النفوذ العدائي حجبها إلى الأبد.
في قطاع العزة المنكوب، خلّفت الحرب النازية قتلًا واسع النطاق ودمارًا هائلًا للمساكن والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية، ودفعت أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين إلى النزوح المتكرر، وسط أزمات حادة في الغذاء والماء والدواء والرعاية الصحية. ووثّقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية انتهاكات ومخاوف جسيمة تتعلق بالقانون الدولي الإنساني، فيما خضعت أفعال المحتلين لإجراءات أمام القضاء الدولي. إن استهداف المدنيين وتجويعهم أو تهجيرهم قسرًا، متى ثبتت عناصر هذه الأفعال قانونًا، ليس تفصيلًا عسكريًا، بل انتهاك خطير لا تسقط مسؤوليته بأيّة ذريعة. وهنا تتجلى المقارنة الأخلاقية مع فرعون: ليس لأن التاريخ يعيد الأسماء نفسها، بل لأن الاستعلاء يتكرر كلما توهّم صاحب القوة أن حياة الضعفاء أقل قيمة من أهدافه السياسية. وتتحمل حكومة نتنياهو مسؤولية قراراتها، وتبقى محاسبة المسؤولين عن الفظائع من اختصاص القضاء المستند إلى الأدلة التي ثبتت بالدليل القاطع والبرهان ومن خلال الوقائع.
أما دونالد ترامب، عرّاب جزيرة إبستين، فقد منح حكومة الاحتلال دعمًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا، واتخذت إدارته قرارات أثارت اعتراضات واسعة بشأن الحقوق الفلسطينية والاستيطان ومستقبل الدولة الفلسطينية. ولا يمكن فصل هذا الدعم عن ميزان القوة الذي يتيح لدولة الكيان الغاصب مواصلة سياساتها الإجرامية، وإن كانت المسؤولية المباشرة عن كل عملية تقع على من أمر بها ونفذها. وتستحضر هذه العلاقة صورة هامان بوصفها استعارةً لجهاز النفوذ الذي يهيّئ للسلطة أسباب البطش ويمنحها غطاءً سياسيًا؛ كما يستدعي خطاب القوة لدى الطرفين المقارنة بالنمرود، حين تتحول القدرة المادية إلى وهمٍ بأن الإرادة السياسية تستطيع إخضاع الشعوب بلا حدود. لكن الوقائع تكفي لإدانة السياسات.
ولا تقف الاعتداءات الإسرائيلية عند غزة؛ فقد امتدت آثار العمليات العسكرية الإجرامية إلى جنوب لبنان، حيث سقط مدنيون وتضررت قرى ومنازل ومنشآت، واضطر سكان آمنون إلى مغادرة مناطقهم. وفي الجولان السوري، ما زال الاحتلال الإسرائيلي قائمًا منذ عام 1967، ولم يحظَ ضم المنطقة الذي أعلنته دولة الكيان الاصطناعي المؤقت عام 1981 باعتراف دولي عام؛ بل أعلن مجلس الأمن، في قراره 497، أن فرض إسرائيل قوانينها وإدارتها على الجولان السوري المحتل باطلٌ ولاغٍ، وليس له أثر قانوني دولي. وبعد استقالة ورحيل الرئيس السوري السابق في ديسمبر 2024، استغلت حكومة الكيان الصهيوني هشاشة المرحلة الانتقالية لتوسيع وجودها العسكري والتوغّل خارج المنطقة العازلة، بالتوازي مع ضربات استهدفت مواقع وقدرات المؤسسة العسكرية السورية. وهذا التغوّل في التراب الوطني ليس مجرد تحرك حدودي عابر، بل تطور خطير يهدد السيادة لبلد الأبجدية الأولى ووحدة أراضيها، ويهيّئ لفرض وقائع بالقوة يصعب تفكيكها لاحقًا. ومن ثم، فإن وحدة السوريين، بمختلف مكوناتهم، في الدفاع عن استقلال بلادهم وسلامة أراضيها من الأيادي الأخطبوطية الإسرائيلية، ضرورة وطنية لا ترفًا سياسيًا.
أما الولايات المتحدة، فإن سجل إداراتها المتعاقبة لا يجوز اختزاله في خطابها الرسمي عن الحرية والديمقراطية. فمن الإطاحة بحكومة محمد مصدق في إيران عام 1953، بمشاركة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والاستخبارات البريطانية، إلى حرب فيتنام، ودعم الانقلابات أو الأنظمة السلطوية في مراحل مختلفة من الحرب الباردة، وغزو العراق عام 2003 استنادًا إلى مبررات أسلحة الدمار الشامل التي لم يُعثر عليها، وصولًا إلى عمليات عسكرية وضربات جوية وعقوبات اقتصادية واسعة، تتكرر أسئلة السيادة والكلفة الإنسانية وحدود التدخل الخارجي. ولا تتساوى هذه الوقائع في ظروفها أو طبيعتها القانونية، لكن جمعها في قراءة تاريخية يكشف سجلًّا يستوجب المساءلة بدل الإعفاء المسبق. كما أن توظيف العقوبات والاتهامات السياسية للضغط على دول تمتلك النفط والغاز والثروات الاستراتيجية يثير تساؤلات مشروعة عن تداخل المصالح الاقتصادية والجيوسياسية. وهذا نقد للحكومات والسياسات الأمريكية، لا للشعب الأمريكي؛ فقد عارض أمريكيون كثر الحروب، واحتجوا على دعم الاحتلال، ودافعوا عن حقوق الفلسطينيين.
وفي الخليج، ينبغي أن ينصب النقد على السياسات والخيارات الاستراتيجية لبعض عشّاق العروش المرصّعة. إن إنشاء القواعد العسكرية الأمريكية وانتشارها في عدد من دول الخليج يطرحان سؤالًا جوهريًا عن السيادة: ما حدود الدور الذي تؤديه هذه القواعد في هذه الدول؟ وما موقعها في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الأوسع وسياسة الأطماع التي تنتهجها؟ وهل يمكن أن تتحول أراضي المنطقة، في أوقات التصعيد، إلى منصات للعمليات العسكرية أو إلى أهداف للردود المقابلة؟ إن الوجود العسكري الأمريكي المعادي يقتضي شفافيةً في الاتفاقيات، وتقييمًا مستقلًا للنتائج، وضمان ألّا تتحول هذه الدول إلى تهديد دول مجاورة أو تنفيذ مشاريع لا تخدم مصالح شعوبها.
وفي مقابل هذا المشهد، تتسع دوائر الاعتراض الدولي على الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية، من دول غير عربية اتخذت مواقف سياسية وقانونية مؤيدة للحقوق الفلسطينية، إلى حركات شعبية وجامعات ومنظمات حقوقية وأصوات يهودية مناهضة للحرب. بما حقق عزلة شبه عالمية لدولة الاحتلال، وعلى تراجع قدرتها على احتكار الرواية الأخلاقية، وعلى اتساع المطالبات بالمحاسبة ووقف الحرب واحترام القانون الدولي. وفي المقابل، يظل الصمت العربي الرسمي، أو الاكتفاء ببيانات لا تسندها أدوات ضغط مؤثرة، موضع مساءلة سياسية؛ فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى التعاطف اللفظي وحده، بل إلى تحرك منسق دبلوماسي واقتصادي وقانوني وحتى عسكري. ولا يجوز تحميل الشعوب العربية مسؤولية خيارات بعض حكوماتها المنبطحة، كما لا ينبغي تجاهل المبادرات الشعبية والحقوقية التي ظلت تناصر الفلسطينيين رغم القيود والتحديات.
إن استحضار فرعون وثمود والنمرود وهامان ليس حكمًا غيبيًا على أشخاص معاصرين، بل مساءلة لمنطق سياسي يتكرر حين تجتمع القوة والغرور وأجهزة التبرير، فيُعامل الإنسان الضعيف كأنه تفصيل يمكن التضحية به. ومن هذا المنظور، تستحق سياسات نتنياهو ودعم ترامب لها نقدًا صريحًا لاذعًا، كما يستحق سجل التدخلات الأمريكية المتعاقبة مراجعةً تاريخية لا تستثني إدارةً من مسؤولية أفعالها المثبتة. وغزة ليست هامشًا في حسابات الأمن، والجولان ليس غنيمةً تمنحها القوة، وسورية ليست أرضًا مباحة للتوغّل والتغوّل الإسرائيلي، والقواعد العسكرية الأمريكية ليست شأنًا منفصلًا عن سؤال السيادة والمصلحة الوطنية. أما العرب، فليسوا كتلةً واحدة، ولا يجوز اختزال شعوبهم في خيارات بعض حكوماتهم؛ غير أن المرحلة تفرض تعاونًا إقليميًا يحمي الاستقلال ويعزز الحقوق الفلسطينية ويمنع اتساع العدوان. فالقوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع وحدها شرعيةً دائمة، والتاريخ لا يشترط أن تتكرر أسماء الطغاة حتى تتكرر العبرة من مصائرهم. وستبقى المقاومة الوطنية الشاملة ضد الهيمنة والتوسع والمخططات الإسرائيلية حقًّا قانونيًا وواجبًا سماويًا ووجدانيًا ينبغي أن يترك بصمته في أفئدة الأشراف والأحرار وأصحاب النخوة.
كاتب دمشقي حر.