«غَزَّةُ وَضَمِيرُ الْعَالَمِ: تَشْرِيحُ اِزْدِوَاجِيَّةِ الْمَعَايِيرِ بَيْنَ مَسْؤُولِيَّةِ الْإِنْصَافِ وَمُسَاوَمَاتِ الْمَصَالِحِ»
جِرَاحُ غَزَّةَ وَمِحْنَةُ الضَّمِيرِ الْإِنْسَانِيِّ:
لَيْسَتْ كُلُّ الْجِرَاحِ نُدُوبًا عَلَى الْأَجْسَادِ؛ فَبَعْضُهَا شُرُوخٌ فِي ضَمِيرِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَبَعْضُهَا الْآخَرُ شَوَاهِدُ دَامِغَةٌ عَلَى اخْتِلَالِ مِيزَانِ الْقِيَمِ حِينَ تَتَقَدَّمُ الْمَصْلَحَةُ عَلَى الْمَبْدَإِ، وَيُحَاصَرُ الْحَقُّ بَيْنَ مُتَارِيسِ السِّيَاسَةِ وَحِسَابَاتِ النُّفُوذِ. وَفِي غَزَّةَ الْعِزَّةِ، حَيْثُ يَتَعَانَقُ الرُّكَامُ مَعَ ذَاكِرَةِ الْمَكْلُومِينَ، لَا يُخْتَبَرُ صُمُودُ الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ، بَلْ تُوضَعُ مِصْدَاقِيَّةُ الْمَنْظُومَةِ الدَّوْلِيَّةِ بِرُمَّتِهَا تَحْتَ مِجْهَرِ الْمُسَاءَلَةِ. فَحِينَ يُصْبِحُ الْأَلَمُ وَاقِعًا مُتَمَدِّدًا، وَتَغْدُو الْحِمَايَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ مَوْضِعَ انْتِقَاءٍ، يَغْدُو الْمِشْرَطُ الْفِكْرِيُّ ضَرُورَةً لِتَشْرِيحِ الْوَقَائِعِ، وَتَمْيِيزِ الْحَقِيقَةِ مِنَ التَّبْرِيرِ، وَالْمَوْقِفِ الْمَبْدَئِيِّ مِنَ الْمُنَاوَرَةِ؛ إِذْ لَا تُقَاسُ قِيمَةُ الضَّمِيرِ بِمَا يُعْلِنُهُ، بَلْ بِمَا يَرْفُضُ أَنْ يَتَغَاضَى عَنْهُ.
أَوَّلًا: مِشْرَطُ الْقَانُونِ الدَّوْلِيِّ وَتَشْرِيحُ اِزْدِوَاجِيَّةِ الْمَعَايِيرِ:
إِنَّ قِرَاءَةَ الْمَأْسَاةِ الْغَزِّيَّةِ بِمِنْظَارِ التَّحْلِيلِ السِّيَاسِيِّ تَقْتَضِي تَجَاوُزَ الْمَشْهَدِ إِلَى بِنْيَتِهِ، وَالصُّورَةِ إِلَى دَلَالَتِهَا، وَالْخِطَابِ إِلَى مَفَاعِيلِهِ. فَحِينَ تُدَمَّرُ الْمَسَاكِنُ، وَتَتَضَرَّرُ الْمَرَافِقُ الطِّبِّيَّةُ، وَيُحْرَمُ الْمَدَنِيُّونَ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ، لَا نَكُونُ أَمَامَ أَرْقَامٍ عَابِرَةٍ فِي نَشْرَةٍ إِخْبَارِيَّةٍ، بَلْ أَمَامَ وَاقِعٍ يَسْتَدْعِي الْفَحْصَ فِي ضَوْءِ الْقَانُونِ الدَّوْلِيِّ الْإِنْسَانِيِّ، وَلَا سِيَّمَا مَبَادِئِ التَّمْيِيزِ وَالتَّنَاسُبِ وَالِاحْتِيَاطَاتِ الْوَاجِبَةِ فِي الْعَمَلِيَّاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ. فَالْمَشْرُوعِيَّةُ لَا تُسْتَمَدُّ مِنْ قُوَّةِ السِّلَاحِ، كَمَا أَنَّ الِادِّعَاءَ السِّيَاسِيَّ لَا يُغْنِي عَنِ التَّحْقِيقِ الْمُسْتَقِلِّ؛ إِذْ تَظَلُّ الْمَسْؤُولِيَّةُ الْقَانُونِيَّةُ رَهِينَةَ الْأَدِلَّةِ، لَا الْوَلَاءَاتِ وَالِانْطِبَاعَاتِ.
وَتَتَجَلَّى اِزْدِوَاجِيَّةُ الْمَعَايِيرِ حِينَ تُسْتَدْعَى الْمَوَاثِيقُ بِلَهْجَةٍ صَارِمَةٍ فِي سِيَاقٍ، ثُمَّ يَخْفُتُ صَوْتُهَا فِي سِيَاقٍ آخَرَ. وَهَذِهِ الِانْتِقَائِيَّةُ لَا تُضْعِفُ ثِقَةَ الشُّعُوبِ بِالْمُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ تُغَذِّي أَزْمَةَ الشَّرْعِيَّةِ، وَتُوَسِّعُ الْهُوَّةَ بَيْنَ الْخِطَابِ الْمُعْلَنِ وَالْمُمَارَسَةِ الْفِعْلِيَّةِ. فَالْقِيمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِأَيِّ مَنْظُومَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ لَا تُقَاسُ بِفَخَامَةِ نُصُوصِهَا، وَإِنَّمَا بِقُدْرَتِهَا عَلَى حِمَايَةِ الْإِنْسَانِ دُونَ تَمْيِيزٍ، وَمُسَاءَلَةِ الْمَسْؤُولِينَ وَفْقَ مَعَايِيرَ ثَابِتَةٍ لَا تَتَبَدَّلُ بِتَغَيُّرِ خَرَائِطِ النُّفُوذِ.
ثَانِيًا: مِنَ التَّضَامُنِ الْوِجْدَانِيِّ إِلَى مَسْؤُولِيَّةِ الْمَوْقِفِ
أَمَّا مَنْ يُسَانِدُونَ الْمَكْلُومِينَ، فَلَا تُخْتَزَلُ أَدْوَارُهُمْ فِي التَّعَاطُفِ الْعَاطِفِيِّ أَوِ التَّفَاعُلِ الرَّقْمِيِّ؛ إِذْ تَتَّسِعُ الْمَسْؤُولِيَّةُ لِتَشْمَلَ تَوْثِيقَ الِانْتِهَاكَاتِ، وَالتَّحَقُّقَ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ، وَمُقَاوَمَةَ التَّضْلِيلِ، وَإِسْنَادَ الْجُهُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَالْمُطَالَبَةَ بِمُحَاسَبَةٍ قَانُونِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. فَالْمُنَاصَرَةُ الرَّشِيدَةُ لَيْسَتْ صَدًى يُرَدِّدُ كُلَّ مَا يُقَالُ، بَلْ مَوْقِفٌ أَخْلَاقِيٌّ يَزْدَادُ قُوَّةً كُلَّمَا تَحَصَّنَ بِالدَّلِيلِ، وَانْضَبَطَ بِاللُّغَةِ، وَرَفَضَ تَحْوِيلَ الْمَأْسَاةِ إِلَى مَادَّةٍ لِلْمُزَايَدَةِ. وَبِذَلِكَ يَغْدُو التَّضَامُنُ جِسْرًا بَيْنَ الْأَلَمِ وَالْوَعْيِ، لَا نَافِذَةً تَتَكَاثَرُ عَبْرَهَا الْأَخْبَارُ الْمُضَلِّلَةُ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الدِّفَاعَ عَنْ حَقِّ الْفِلَسْطِينِيِّينَ فِي تَقْرِيرِ مَصِيرِهِمْ، وَإِنْهَاءِ الِاحْتِلَالِ، وَنَيْلِ الِاسْتِقْلَالِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَزْوِيقِ الْحَقِيقَةِ، بَلْ إِلَى عَرْضِهَا فِي سِيَاقِهَا التَّارِيخِيِّ وَالْقَانُونِيِّ. كَمَا أَنَّ تَقْيِيمَ الْأَفْعَالِ يَنْبَغِي أَنْ يَخْضَعَ لِلْقَوَاعِدِ الْقَانُونِيَّةِ ذَاتِهَا؛ فَحِمَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ لَيْسَتِ امْتِيَازًا سِيَاسِيًّا، وَلَا تَتَجَزَّأُ بِحَسَبِ هُوِيَّةِ الْفَاعِلِ أَوِ الضَّحِيَّةِ. وَبِهَذَا الْمِعْيَارِ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَشْرُوعِيَّةِ الْمَطَالِبِ وَالِالْتِزَامَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ النَّاظِمَةِ لِلْوَسَائِلِ؛ فَالْقَضِيَّةُ الْعَادِلَةُ لَا تُعْفِي أَيَّ طَرَفٍ مِنْ مَسْؤُولِيَّاتِهِ الْقَانُونِيَّةِ.
ثَالِثًا: مِنْ تَشْخِيصِ الْجِرَاحِ إِلَى مُعَالَجَةِ جُذُورِ الْمَأْسَاةِ
إِنَّ الْمِشْرَطَ يُعْتَبَرُ وَسِيلَةً لِكَشْفِ مَوْضِعِ الْخَلَلِ. وَوَظِيفَتُهُ الْفِكْرِيَّةُ أَنْ يُزِيلَ طَبَقَاتِ التَّبْرِيرِ عَنِ الْوَقَائِعِ، وَيَفْضَحَ التَّنَاقُضَ بَيْنَ الْمَبَادِئِ الْمُعْلَنَةِ وَالْقَرَارَاتِ الْمُتَّخَذَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَبْدِلَ انْحِيَازًا أَعْمَى بِآخَرَ. فَغَزَّةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى شَفَقَةٍ مَوْسِمِيَّةٍ تَنْطَفِئُ بِانْطِفَاءِ الْعَنَاوِينِ، بَلْ إِلَى مَوْقِفٍ مُسْتَدَامٍ يَحْفَظُ حَيَاةَ أَهْلِهَا وَكَرَامَتَهُمْ، وَيَصُونُ حَقَّهُمْ فِي مُسْتَقْبَلٍ لَا تَحْكُمُهُ دَوْرَاتُ الْفَقْدِ وَالْحِصَارِ وَالدَّمَارِ.
وَلَا يَكْتَمِلُ تَشْرِيحُ الْمَشْهَدِ مِنْ دُونِ مُسَاءَلَةِ الذَّاكِرَةِ الدَّوْلِيَّةِ ذَاتِهَا: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْعَالَمِ أَنْ يُؤَسِّسَ سَلَامًا مُسْتَدَامًا فَوْقَ جِرَاحٍ لَمْ تُنْصَفْ، وَحُقُوقٍ لَمْ تُسْتَرَدَّ، وَمَظَالِمَ تُرَحَّلُ مِنْ جِيلٍ إِلَى آخَرَ؟ إِنَّ الْعَدَالَةَ لَيْسَتْ مُسَكِّنًا مُؤَقَّتًا لِلْأَلَمِ، بَلْ مُعَالَجَةٌ لِجُذُورِهِ، وَلَا تُبْنَى الثِّقَةُ بِإِسْكَاتِ الضَّحَايَا، بَلْ بِالْإِنْصَاتِ إِلَيْهِمْ، وَالِاعْتِرَافِ بِمُعَانَاتِهِمْ، وَضَمَانِ أَلَّا تَتَحَوَّلَ الْمَأْسَاةُ إِلَى سَابِقَةٍ تَتَكَرَّرُ. فَالْمِشْرَطُ الَّذِي يَكْشِفُ مَوْضِعَ الدَّاءِ لَا تَكْتَمِلُ رِسَالَتُهُ إِلَّا حِينَ يَفْتَحُ الطَّرِيقَ إِلَى الْعِلَاجِ، وَتُصْبِحُ الْحَقِيقَةُ أَسَاسًا لِلْمُسَاءَلَةِ، وَالْكَرَامَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ مِعْيَارًا لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ.
حِينَ يُصْبِحُ إِنْصَافُ الضَّحَايَا بِدَايَةَ الشِّفَاءِ:
لَيْسَتْ غَزَّةُ امْتِحَانًا لِضَمِيرِ الْعَالَمِ فَحَسْبُ، بَلْ مِرْآةٌ تَكْشِفُ الْمَسَافَةَ بَيْنَ الْقِيَمِ الَّتِي يَتَغَنَّى بِهَا وَالْخُطُوَاتِ الَّتِي يَجْرُؤُ عَلَى اتِّخَاذِهَا. فَالْجِرَاحُ قَدْ تَلْتَئِمُ فِي الْجَسَدِ، لَكِنَّ نُدُوبَ الذَّاكِرَةِ لَا يَمْحُوهَا الزَّمَنُ وَحْدَهُ؛ وَإِنَّمَا يُخَفِّفُ وَطْأَتَهَا إِنْصَافٌ مَلْمُوسٌ، وَمُسَاءَلَةٌ لَا تَنْتَقِي الْمَسْؤُولِينَ، وَإِرَادَةٌ سِيَاسِيَّةٌ تَضَعُ حِمَايَةَ الْإِنْسَانِ فَوْقَ حِسَابَاتِ الْمَكَاسِبِ.
وَمَا أَحْوَجَ الْعَالَمَ إِلَى مِشْرَطٍ لَا يَجْرَحُ الْحَقِيقَةَ، بَلْ يَنْتَزِعُ مِنْ جَسَدِهَا أَشْوَاكَ التَّزْيِيفِ؛ وَإِلَى ضَمِيرٍ لَا يَكْتَفِي بِرِثَاءِ الضَّحَايَا، بَلْ يَعْمَلُ عَلَى أَلَّا يَتَكَاثَرُوا. فَالتَّارِيخُ لَا يَحْفَظُ ضَجِيجَ الْمَوَاقِفِ بِقَدْرِ مَا يَكْشِفُ حَصِيلَةَ الْأَفْعَالِ، وَلَا تَمْنَحُ صِيَاغَةُ الْمُبَرِّرَاتِ أَحَدًا مِنَ الْمُجْرِمِينَ حَصَانَةً مِنَ الْمُسَاءَلَةِ. وَحِينَئِذٍ فَقَطْ، قَدْ يَتَحَوَّلُ أَلَمُ الْجِرَاحِ مِنْ شَاهِدٍ عَلَى الْعَجْزِ إِلَى بِدَايَةِ شِفَاءٍ يَسْتَرِدُّ لِلْإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ، وَلِلْحَقِّ مَكَانَتَهُ، وَلِلسَّلَامِ مَعْنَاهُ.
كَاتِبٌ حُرٌّ خَارِجَ الْوَطَنِ.