لماذا شرب الرومان القدماء دماء المصارعين؟
منوعات
لماذا شرب الرومان القدماء دماء المصارعين؟
18 تشرين الأول 2026 , 20:09 م

ظل الصرع لقرون طويلة من أكثر الأمراض إثارة للخوف، إذ كانت نوباته المفاجئة تبدو للناس وكأنها نتيجة لقوى خارقة للطبيعة. واختلفت تفسيرات هذه النوبات بين الثقافات؛ فبعض المجتمعات اعتبرتها علامة على تدخل إلهي أو قداسة، بينما ربطتها مجتمعات أخرى بالخطيئة الدينية أو الاستحواذ الشيطاني.

‏وتقدم روما القديمة مثالا واضحا على هذه المعتقدات، إذ اعتقد سكانها أن الصرع يرتبط بقوى تتجاوز العالم المألوف، ولذلك بحثوا عن علاجات يعتقدون أنها تمتلك قوة استثنائية.

‏دماء المصارعين لعلاج الصرع

‏كان استخدام دماء المصارعين من أكثر الممارسات الطبية القديمة رسوخا وإثارة للدهشة في المجتمع الروماني.

‏فقد اعتقد الرومان أن موت المصارع في ساحة القتال يمنح دمه طاقة حيوية خاصة، يمكنها المساعدة على وقف نوبات الصرع.

‏وتنوعت طرق استخدام الدم، بدءا من شربه ساخنا مباشرة من الجرح، وصولا إلى وصفات محددة تتطلب الالتزام بجرعات يومية. ومن الأمثلة المذكورة تناول ثلاث ملاعق من الدم يوميا على مدى شهر كامل.

‏وظهرت أيضا وصفات أكثر تعقيدا، كان يُحرق فيها نسيج مشبع بالدم، ثم يُخلط الرماد بالنبيذ. وكان الاعتقاد السائد أن تناول سبع جرعات من هذا المزيج يضمن الشفاء.

‏لكن هذه الممارسات كانت قائمة على المعتقدات الشعبية والتصورات السحرية، وليس على أدلة علمية تثبت أن دماء المصارعين تعالج الصرع.

‏كيف فسرت المعتقدات القديمة تأثير العلاج؟

‏قال فرديناند بيتر موغ، المحاضر الأول في معهد تاريخ الطب وأخلاقياته بجامعة كولونيا، إن السحر لا يقوم على المنطق، وإن الناس قد يشعرون بالتحسن عند استخدام أشياء أو اتباع إجراءات يتوقعون منها الشفاء.

‏ويعكس هذا التفسير جانبا مهما من الظاهرة؛ إذ لم تكن فعالية العلاج المتصورة مرتبطة بالضرورة بخصائص المادة المستخدمة، بل كانت الثقة بقدرتها على الشفاء تؤدي دورا مهما في استمرار الاعتقاد بها.

‏لماذا استمر الاعتقاد بفعالية دماء المصارعين؟

‏يمكن تفسير استمرار هذه الممارسات جزئيا بالطبيعة المتغيرة للصرع نفسه. فالنوبات قد تتراجع بمرور الوقت لدى بعض المرضى، ولا سيما الأطفال، وقد تتوقف تماما في بعض الحالات.

‏وكان الناس يفسرون هذا التحسن أو اختفاء النوبات على أنه دليل مباشر على نجاح العلاج الذي استخدموه، حتى عندما لا تكون هناك علاقة سببية بين الأمرين.

‏كما أن المكانة الاجتماعية والرمزية للمصارعين عززت الاعتقاد بقدرات دمائهم. فقد ارتبط المصارعون في المخيلة الشعبية بالشجاعة والقوة والتضحية، وهو ما منح دماءهم قيمة رمزية خاصة.

‏وكان الاعتقاد السائد أن هذه الصفات يمكن أن تنتقل إلى المريض عند تناول الدم، فتساعده على التغلب على المرض.

‏ماذا حدث لهذا الاعتقاد بعد حظر المصارعة؟

‏عندما حُظرت عروض المصارعة في القرن الرابع الميلادي، لم تختف هذه الممارسة فورا، بل تغيرت صورتها.

‏فقد انتقل الاعتقاد بالقدرات العلاجية للدم إلى دماء الأشخاص الذين أُعدموا، وخصوصا المحكوم عليهم بقطع الرأس.

‏وكان يُعتقد أن مشهد الموت المفاجئ وما يحيط به من رهبة يمنح الدم قوة خاصة تجعله قادرا على علاج المرض.

‏وتراجعت عروض المصارعة تدريجيا بعد حظرها، كما بدأ الكولوسيوم في روما يفقد دوره السابق ويهمل مع مرور الزمن.

‏متى انتهى استخدام الدم في علاج الصرع؟

‏استمرت الممارسات التي تعتمد على دماء المصارعين أو الأشخاص الذين أُعدموا، وفقا للرواية التاريخية التي يستعرضها التقرير، حتى القرن العشرين، عندما بدأ ظهور الأدوية المضادة للصرع القائمة على أسس علمية يغير طرق العلاج.

‏وتكشف هذه القصة عن الطريقة التي تداخلت بها المخاوف من الأمراض مع المعتقدات الثقافية والرغبة في العثور على علاج خارق للطبيعة.

‏كما توضح كيف استطاعت الخرافات الطبية أن تستمر إلى جانب الممارسات العلاجية لقرون طويلة، وأن تصبح جزءا من التصورات السائدة عن الصحة والمرض.

‏أما اليوم، فيُعالج الصرع باستخدام وسائل طبية تستند إلى الأدلة العلمية، ولا يوجد دليل علمي يثبت أن شرب الدم يعالج هذا المرض.

الأكثر قراءة أنشودة يا إمامَ الرسلِ يا سندي, إنشاد صباح فخري
أنشودة يا إمامَ الرسلِ يا سندي, إنشاد صباح فخري
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً