عَبْدُ الْحَمِيدِ كْنَاكِرِي خُوجَة: الْأَحَاسِيسُ بِمَا يُحَاكُ مِنْ كَوَابِيسَ خَلْفَ الْكَوَالِيسِ.
مقالات
عَبْدُ الْحَمِيدِ كْنَاكِرِي خُوجَة: الْأَحَاسِيسُ بِمَا يُحَاكُ مِنْ كَوَابِيسَ خَلْفَ الْكَوَالِيسِ.

«الْجُمْهُورِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْإِيرَانِيَّةُ: سِيَادَةُ الْقَرَارِ وَشَرَفُ الصُّمُودِ، وَجَبَهَاتُ الْمُقَاوَمَةِ فِي مُوَاجَهَةِ أَطْمَاعِ الْهَيْمَنَةِ وَمَخَاطِرِ التَّوَسُّعِ وَالِاسْتِئْثَارِ»

حِينَ تَبْتَسِمُ الْوُجُوهُ وَتَتَكَشَّفُ النَّوَايَا:

لَيْسَتْ كُلُّ ابْتِسَامَةٍ صَفَاءً، وَلَا كُلُّ مُصَافَحَةٍ وَفَاءً، وَلَا كُلُّ حَدِيثٍ عَنِ السَّلَامِ عَهْدًا يُصَانُ. فَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ تَزَيَّنَتْ بِعِبَارَاتِ الْوِفَاقِ، فِيمَا أَضْمَرَتْ وَرَاءَ سِتَارِهَا دَوَافِعَ الْخِلَافِ، وَكَمْ مِنْ بَابٍ فُتِحَ بِاسْمِ الْحِوَارِ، بَيْنَمَا كَانَتْ خَلْفَهُ تُرْسَمُ خَرَائِطُ النُّفُوذِ، وَتُدَبَّرُ حِسَابَاتُ الْحِصَارِ، وَتُخْتَبَرُ إِرَادَاتُ الشُّعُوبِ تَحْتَ ضُغُوطٍ لَا تُقِيمُ وَزْنًا لِلْإِنْصَافِ.

فِي دَهَالِيزِ السِّيَاسَةِ الدَّوْلِيَّةِ، لَا تَكْفِي التَّصْرِيحَاتُ لِاسْتِجْلَاءِ الْحَقَائِقِ؛ إِذْ كَثِيرًا مَا تَفْتَرِقُ لُغَةُ الْمَنَابِرِ عَنْ حِسَابَاتِ الْخَفَاءِ، وَتَتَبَاعَدُ وُعُودُ الْعَلَنِ عَنْ تَدَابِيرِ الْكَوَالِيسِ. وَمِنْ هُنَا، لَا تَعْنِي الْيَقَظَةُ سُوءَ الظَّنِّ، بَلْ حُسْنَ التَّقْدِيرِ؛ وَلَا يَعْنِي الْحَذَرُ رَفْضَ الْحِوَارِ، بَلْ حِمَايَتَهُ مِنَ الْخِدَاعِ وَالِانْهِيَارِ.

وَفِي قَلْبِ هَذَا الْمَشْهَدِ، تَقِفُ الْجُمْهُورِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْإِيرَانِيَّةُ أَمَامَ امْتِحَانٍ يَتَعَلَّقُ بِالسِّيَادَةِ وَالِاسْتِقْلَالِ، وَسْطَ تَجَاذُبَاتٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْخِلَافِ الْعَابِرِ، لِتَطْرَحَ سُؤَالًا جَوْهَرِيًّا: هَلْ تَمْلِكُ الدُّوَلُ حُرِّيَّةَ اخْتِيَارِ مَسَارَاتِهَا، أَمْ تُفْرَضُ عَلَيْهَا خِيَارَاتٌ تُرْسَمُ خَارِجَ حُدُودِهَا بِأَدَوَاتِ الضَّغْطِ وَالتَّهْدِيدِ؟

مَوَازِينُ السِّيَادَةِ وَمَكَامِنُ الْخَطَرِ:

أَوَّلًا: إِيرَانُ بَيْنَ اسْتِقْلَالِ الْقَرَارِ وَثَبَاتِ الْمَسَارِ:

إِنَّ سِيَادَةَ الدُّوَلِ حَقٌّ أَصِيلٌ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَرَامَةِ، وَأَسَاسٌ لِاسْتِقْلَالِ الْإِرَادَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ امْتِيَازًا يُمْنَحُ لِبَعْضِ الدُّوَلِ وَيُحْجَبُ عَنْ أُخْرَى بِحَسَبِ مَوَازِينِ الْقُوَّةِ وَالْمَصَالِحِ. وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، فَإِنَّ حَقَّ الْجُمْهُورِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْإِيرَانِيَّةِ فِي حِمَايَةِ قَرَارِهَا الْوَطَنِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ ضِمْنَ مَبْدَإٍ منصف: مَا يُطْلَبُ مِنْ إِيرَانَ مِنِ احْتِرَامٍ لِلسِّيَادَةِ، يَجِبُ أَنْ يُطَبَّقَ عَلَى الْجَمِيعِ دُونَ انْتِقَائِيَّةٍ أَوِ ازْدِوَاجِيَّةٍ.

غَيْرَ أَنَّ الِاسْتِقْلَالَ لَا يُحْمَى بِالشِّعَارَاتِ وَحْدَهَا، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى مُؤَسَّسَاتٍ قَوِيَّةٍ، وَجَبْهَةٍ دَاخِلِيَّةٍ مُتَمَاسِكَةٍ، وَاقْتِصَادٍ قَادِرٍ عَلَى مُوَاجَهَةِ الضُّغُوطِ، وَسِيَاسَةٍ تُحْسِنُ قِرَاءَةَ الْمُتَغَيِّرَاتِ وَتَقْدِيرَ الْعَوَاقِبِ. فَالدَّوْلَةُ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ صَلَابَةِ الْمَوْقِفِ وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ تَكُونُ أَقْدَرَ عَلَى صَوْنِ مَصَالِحِهَا.

ثَانِيًا: خَلْفَ الْكَوَالِيسِ؛ حَيْثُ تُخْتَبَرُ الْوُعُودُ:

لَا تَدْعُو التَّجَارِبُ إِلَى الِارْتِيَابِ مِنْ كُلِّ مُبَادَرَةٍ، وَلَكِنَّهَا تُحَذِّرُ مِنَ الِانْدِفَاعِ نَحْوَ تَصْدِيقِ الْوُعُودِ قَبْلَ أَنْ تُثْبِتَهَا الْوَقَائِعُ. فَلَيْسَ كُلُّ هُدُوءٍ سَلَامًا مُسْتَقِرًّا، وَلَا كُلُّ تَفَاوُضٍ ضَمَانًا لِلتَّفَاهُمِ؛ إِذْ تُقَاسُ جِدِّيَّةُ الْمَسَاعِي بِمَدَى تَطَابُقِ الْأَقْوَالِ مَعَ الْأَفْعَالِ، وَبِمَا يَصْحَبُ الِاتِّفَاقَاتِ مِنْ ضَمَانَاتٍ وَالْتِزَامَاتٍ وَاضِحَةٍ.

وَمِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ تَبْقَى طَهْرَانُ مُتَيَقِّظَةً لِلتَّحَوُّلَاتِ السِّيَاسِيَّةِ، مُتَأَنِّيَةً فِي قِرَاءَةِ الْإِشَارَاتِ، بَعِيدَةً عَنْ غَوَايَةِ الِاطْمِئْنَانِ الْمُفْرِطِ وَرَهْبَةِ التَّهْوِيلِ. فَالثِّقَةُ الَّتِي لَا تَسْنُدُهَا بَصِيرَةٌ قَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى غَفْلَةٍ، وَالْحَذَرُ الَّذِي لَا تَضْبِطُهُ حِكْمَةٌ قَدْ يَنْقَلِبُ إِلَى قَلَقٍ وَارْتِيَابٍ. أَمَّا الْمَوْقِفُ الرَّشِيدُ فَهُوَ الَّذِي يَفْتَحُ أَبْوَابَ التَّفَاهُمِ دُونَ أَنْ يَجْعَلَ أَمْنَ الْبِلَادِ رَهِينَةً لِلْوُعُودِ.

وَالِاسْتِعْدَادُ الدِّفَاعِيُّ الْمَسْؤُولُ لَا يَعْنِي الرَّغْبَةَ فِي الْحَرْبِ، بَلْ يَعْكِسُ إِدْرَاكًا لِلْمَخَاطِرِ الْمُحْتَمَلَةِ وَضَرُورَةَ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا. فَالْأَوْطَانُ تُحْمَى بِالْجَاهِزِيَّةِ الْمُنْضَبِطَةِ، وَالتَّقْدِيرِ الدَّقِيقِ، وَالْقَرَارِ الَّذِي يُوَازِنُ بَيْنَ حِمَايَةِ الْأَرْضِ وَتَجَنُّبِ التَّصْعِيدِ. وَتَتَلَخَّصُ مُعَادَلَةُ الْحِكْمَةِ فِي اسْتِعْدَادٍ بِلَا تَهَوُّرٍ، وَحِوَارٍ بِلَا اسْتِسْلَامٍ، وَثَبَاتٍ بِلَا انْدِفَاعٍ.

ثَالِثًا: جَبَهَاتُ الْمُقَاوَمَةِ وَحُقُوقُ الشُّعُوبِ

فِي مِنْطَقَةٍ أَثْقَلَتْهَا الصِّرَاعَاتُ وَالتَّدَخُّلَاتُ، يَنْبَغِي أَنْ تَظَلَّ حُقُوقُ الشُّعُوبِ مِعْيَارًا لِتَقْيِيمِ الْمَوَاقِفِ، وَأَنْ تَبْقَى الْكَرَامَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ بُوصَلَةً لِلسِّيَاسَاتِ. فَالْمُقَاوَمَةُ، فِي سِيَاقَاتِهَا الْمُتَعَدِّدَةِ، لَا تُفْهَمُ بِمَعْزِلٍ عَنْ وَاقِعِ الِاحْتِلَالِ وَالِاعْتِدَاءِ وَالْحِرْمَانِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَحَوَّلَ الْقَضَايَا الْعَادِلَةُ إِلَى أَوْرَاقٍ تُحَرِّكُهَا الْمَصَالِحُ أَوْ تُسَاوَمُ عَلَيْهَا الْقُوَى الْمُتَنَافِسَةُ.

وَتَبْقَى الأرض المحتلة قَضِيَّةَ شَعْبٍ لَهُ أَرْضُهُ وَحُقُوقُهُ وَتَطَلُّعَاتُهُ، لَا عُنْوَانًا يُخْتَزَلُ فِي حِسَابَاتِ دَوْلَةٍ، وَلَا مَصِيرًا يُعَلَّقُ عَلَى إِرَادَةِ طَرَفٍ بِعَيْنِهِ. فَحَقُّ الْفِلَسْطِينِيِّينَ فِي الْحُرِّيَّةِ وَتَقْرِيرِ الْمَصِيرِ وَإِنْهَاءِ الِاحْتِلَالِ حَقٌّ أَصِيلٌ لَا يَسْتَمِدُّ مَشْرُوعِيَّتَهُ مِنْ تَحَالُفٍ عَابِرٍ، وَلَا يَفْقِدُهَا بِتَغَيُّرِ مَوَازِينِ الْقُوَى.

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ نُصْرَةَ هذه الأرض الْحَقَّةَ تَقْتَضِي صَوْنَ اسْتِقْلَالِ قَرَارِهَا الْوَطَنِيِّ، وَاحْتِرَامَ إِرَادَةِ شَعْبِهَا، وَجَعْلَ حُقُوقِهِ فِي صَدَارَةِ الِاهْتِمَامِ.

رَابِعًا:

سُورِيَا وَلُبْنَانُ فِي مُوَاجَهَةِ انْتِهَاكِ السِّيَادَةِ:

أَمَّا سُورِيَا، الَّتِي أَنْهَكَتْهَا سَنَوَاتُ الصِّرَاعِ والتآمر، فَلَا تَزَالُ تُوَاجِهُ أَخْطَارَ التَّوَغُّلَاتِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ وَالِانْتِهَاكَاتِ الَّتِي تَطَالُ أَرَاضِيهَا وَسِيَادَتَهَا. وَتُثِيرُ هَذِهِ الْمُمَارَسَاتُ مَخَاوِفَ مِنْ تَكْرِيسِ وَاقِعٍ تُفْرَضُ فِيهِ الْوَقَائِعُ بِالْقُوَّةِ، وَتَتَرَاجَعُ فِيهِ فُرَصُ الِاسْتِقْرَارِ. فَلَا يُمْكِنُ لِأَمْنٍ مُسْتَدَامٍ أَنْ يَقُومَ عَلَى انْتِقَاصِ السِّيَادَةِ أَوْ تَهْدِيدِ سَلَامَةِ الْأَرَاضِي.

وَفِي جَنُوبِ لُبْنَانَ، تُلْقِي الِاعْتِدَاءَاتُ الصهيونية بِظِلَالِهَا عَلَى حَيَاةِ السُّكَّانِ، وَتُجَدِّدُ الْقَلَقَ عَلَى الِاسْتِقْرَارِ الْإِقْلِيمِيِّ. كَمَا أَنَّ التَّوَغُّلَاتِ وَالِانْتِهَاكَاتِ فِي جَولان سُورِيَا تُؤَكِّدُ أَنَّ فَرْضَ الْوَقَائِعِ بِالْقُوَّةِ لَا يَمْنَحُهَا شَرْعِيَّةً، وَأَنَّ أَمْنَ الشُّعُوبِ لَا يَتَحَقَّقُ بِتَوْسِيعِ دَائِرَةِ الْخَوْفِ، بَلْ بِاحْتِرَامِ الْحُدُودِ وَالِالْتِزَامِ بِالْقَانُونِ الدَّوْلِيِّ.

وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى التَّهْدِئَةِ يَبْدَأُ بِوَقْفِ الِاعْتِدَاءَاتِ وَالتَّصْعِيدِ، وَيَقُومُ عَلَى احْتِرَامِ السِّيَادَةِ وَكَرَامَةِ الشُّعُوبِ، وَيَسْتَهْدِفُ تَسْوِيَاتٍ عَادِلَةً لَا تُكَافِئُ الْمُعْتَدِيَ وَلَا تُحَمِّلُ الْمَدَنِيِّينَ أَوْزَارَ الصِّرَاعِ.

خَامِسًا:

رَفْضُ الْهَيْمَنَةِ وَحِكْمَةُ تَجَنُّبِ التَّصْعِيدِ:

إِنَّ مُوَاجَهَةَ النَّزَعَاتِ الِاسْتِعْمَارِيَّةِ وَالْإِمْبْرْيَالِيَّةِ لَا تَعْنِي الِانْزِلَاقَ إِلَى مَنْطِقِهَا، وَلَا تَبْرِيرَ كُلِّ وَسِيلَةٍ بِاسْمِ الْغَايَةِ، بَلْ تَعْنِي الدِّفَاعَ عَنْ حَقِّ الدُّوَلِ فِي الِاسْتِقْلَالِ، وَحَقِّ الشُّعُوبِ فِي تَقْرِيرِ مَصِيرِهَا، وَرَفْضَ إِخْضَاعِ الْإِرَادَاتِ الْوَطَنِيَّةِ لِلْحِصَارِ وَالِابْتِزَازِ وَالتَّدَخُّلِ الْقَسْرِيِّ.

وَإِنَّ الدِّفَاعَ عَنْ هَذِهِ الْمَبَادِئِ يَفْقِدُ قُوَّتَهُ إِذَا خَضَعَ لِلِازْدِوَاجِيَّةِ أَوْ أَهْمَلَ حُقُوقَ الْآخَرِينَ؛ فَالْمَبْدَأُ الَّذِي يُدَافَعُ عَنْهُ بِإِنْصَافٍ يَكْسِبُ مَشْرُوعِيَّةً أَرْسَخَ، بَيْنَمَا يُضْعِفُهُ التَّنَاقُضُ بَيْنَ الْخِطَابِ وَالْمُمَارَسَةِ.

وَمِنْ هُنَا، تَقْتَضِي الْمَسْؤُولِيَّةُ أَلَّا تَتَحَوَّلَ الْيَقَظَةُ إِلَى انْدِفَاعٍ، وَلَا الصَّلَابَةُ إِلَى تَصَلُّبٍ، وَلَا الدِّفَاعُ عَنِ السِّيَادَةِ إِلَى مُغَامَرَةٍ تُضَاعِفُ الْخَسَائِرَ. فَالْقُوَّةُ الَّتِي لَا يَضْبِطُهَا الْعَقْلُ قَدْ تُبَدِّدُ مَا أَرَادَتْ حِمَايَتَهُ، وَالسِّيَاسَةُ الَّتِي تُهْمِلُ عَوَاقِبَ قَرَارَاتِهَا قَدْ تَفْتَحُ أَبْوَابًا يَصْعُبُ إِغْلَاقُهَا.

أَمَّا الْحِكْمَةُ، فَتَكْمُنُ فِي صَوْنِ الْحُقُوقِ بِأَقَلِّ كُلْفَةٍ مُمْكِنَةٍ، وَحِمَايَةِ الْأَوْطَانِ دُونَ التَّفْرِيطِ بِأَرْوَاحِ الْأَبْرِيَاءِ، وَجَعْلِ السَّلَامِ الْعَادِلِ غَايَةً تَنْعَكِسُ فِي الْأَفْعَالِ، لَا مُجَرَّدَ شِعَارٍ تُنَاقِضُهُ الْمُمَارَسَاتُ.

الْخَاتِمَةُ:

بَصِيرَةٌ تَتحسس الْكَوَابِيسَ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ وَقَائِعَ.

إِنَّ مَا يُحَاكُ خَلْفَ الْكَوَالِيسِ لَا تَكْشِفُهُ الضَّوْضَاءُ وَلَا تُبْطِلُهُ الْأُمْنِيَاتُ، بَلْ تَكْشِفُهُ قِرَاءَةٌ وَاعِيَةٌ لِلْوَقَائِعِ، وَمُقَارَنَةٌ دَقِيقَةٌ بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَاسْتِعْدَادٌ مَسْؤُولٌ لِمَا قَدْ تَحْمِلُهُ التَّحَوُّلَاتُ مِنْ مَخَاطِرَ. فَحِينَ تَتَزَيَّنُ الضُّغُوطُ بِعِبَارَاتِ الْوِدَادِ، وَتَخْتَبِئُ الْمَطَامِعُ وَرَاءَ وُعُودٍ بَرَّاقَةٍ، تُصْبِحُ الْبَصِيرَةُ ضَرُورَةً لِحِمَايَةِ الْقَرَارِ مِنَ الِارْتِهَانِ لِلْأَوْهَامِ.

وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ الْجُمْهُورِيَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ الْإِيرَانِيَّةَ تَنتهج الْجَمْعِ بَيْنَ صِيَانَةِ السِّيَادَةِ وَرَجَاحَةِ السِّيَاسَةِ، وَبَيْنَ ثَبَاتِ الْمَوْقِفِ وَمَرُونَةِ الْوَسِيلَةِ، مَعَ الْحِفَاظِ عَلَى فُرَصِ التَّفَاهُمِ أَمَامَ كُلِّ مَسْعًى صَادِقٍ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُخْدَعَ بِلَيُونَةِ الْقَوْلِ إِذَا نَاقَضَتْهَا قَسْوَةُ الْفِعْلِ، وَلَا أَنْ تَسْتَدْرِجَهَا الْمَخَاوِفُ إِلَى خِيَارَاتٍ تُضَاعِفُ الْأَخْطَارَ؛ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَجْعَلَ مِنَ الْحَذَرِ بَصِيرَةً، وَمِنَ الْقُوَّةِ مَسْؤُولِيَّةً، وَمِنَ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ سَبِيلًا إِلَى سَلَامٍ يَحْفَظُ الْحُقُوقَ وَيَصُونُ الْكَرَامَةَ.

فَالْأَوْطَانُ لَا يَحْرُسُهَا الصَّخَبُ وَلَا تَكْفِيهَا الْوُعُودُ، بَلْ يَحْمِيهَا وَعْيٌ لَا يَغْفَلُ، وَعَزْمٌ لَا يَتَهَوَّرُ، وَحِكْمَةٌ تَتَمَسَّكُ بِالْحَقِّ دُونَ إِسْرَافٍ فِي الْخُصُومَةِ. وَبَيْنَ الْأَحَاسِيسِ الَّتِي تَسْتَشْعِرُ مَا يُدَبَّرُ، وَالْكَوَابِيسِ الَّتِي قَدْ تَنْسِجُهَا مَطَامِعُ السَّيْطَرَةِ، وَالْكَوَالِيسِ الَّتِي تَخْتَبِرُ إِرَادَاتِ الشُّعُوبِ، يَبْقَى الدَّرْسُ الْأَهَمُّ أَنَّ السِّيَادَةَ تَحْتَاجُ إِلَى بَصِيرَةٍ، وَالصُّمُودَ إِلَى حِكْمَةٍ، وَالسَّلَامَ إِلَى عَدَالَةٍ؛ فَلَا أَمْنَ مَعَ الْإِذْلَالِ، وَلَا اسْتِقْرَارَ مَعَ الْعُدْوَانِ، وَلَا مُسْتَقْبَلَ مُشْرِقًا حَيْثُ تُهْمَلُ حُكْمَةُ الْعَقْلِ وَتُتْرَكُ النَّوَايَا الْمُلْتَبِسَةُ لِتَقُودَ الْمَصِيرَ.

كاتب دمشقي حر.