كتب الدكتور أحمد عيّاش: الإمام القائد الثائر حسين بن علي بن أبي طالبٍ(ع)
ثقافة
كتب الدكتور أحمد عيّاش: الإمام القائد الثائر حسين بن علي بن أبي طالبٍ(ع)
18 تموز 2023 , 23:05 م


سيدي الإمام القائد تطلّ علينا ذكرى استشهادك ونحن لسنا بحاجة لتاريخ ما في سَنة ما وفي شَهر ما، أكانت سنة ميلادية أو سنة هجرية، أو كان شهرَ المحرّم، أو شهرَ ذو الحجة لِنتذكَّرَك، لأنك لا تغادرُنا في حياتنا اليومية، فأينما ولّينا وجوهَنا، وأينما حلَلْنا، وعند كل فرح، وحتى كما عند كل مأساة نستعيد ثورتك، لِنشحن َ أنفسَنا بالقوة وبالعنفوان، لنعبّر عن رأينا ضدَّ كلِّ حاكمٍ ظالمٍ انحرف بدولته أو بجماعتِه،أوبتنظيمِه أو بمؤسساتِه، نحو عبادةِ الذاتِ والغرورِ والعنجهيةِ ونسيان الله.

{...نسوا اللهَ فأنساهم أنفسَهم...}.

نحن يا حضرةَ القائدِ لم ننسَ الله َ، لِأنّنا نسكنُ رحمتَه.

يومَ قرَّرتَ السيرَ بِاتِّجاهِ ال "لا" كانت كل موازين القوى في الأُمَّةِ تقولُ في سِرِّها: "نعم".

نعم للمال الحرام، نعم للسلطة، نعم للجواري، نعم لملذّات الدنيا، والعودة لِامتيازات الجاهلية، نعم للثروة الحرام، نعم للأنا الأمَّارةِ بِالسوء.

خرَجْتَ، لِأنّكَ خِفتَ أنْ يكتُبَ التاريخُ:إنَّ انقلاباً على الإسلامِ الأصيل ِ قد حصلَ في زمنٍ كان فيه السيدُ الحسين حيّاً، ولم يقل للظالم: "لا".

لكانَ صمتُكَ موافقةً، ولست أنت بالذي يصمت، ولا الذي يوافق.

لو سكتّ لقالوا: حتى الحسينُ حفيدُ محمدٍ (ص)لم يعترض، ما يعنى أنّ ما أتى به يزيدُ بنُ معاويةَ ابنِ هندٍ

آكلةِ كَبِدِ البطلِ حمزةَ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، الشّهيد، كان أمراً حكيما يتوافق مع الإسلام الحنيف.

قلت: "لا"، ومضيت، رغمَ أنّ الكتبَ تقول: إنَّ هُناكَ مَنْ رجاك ألّا تذهبَ، أو على الأقلِّ أن تنتظرَ قليلاً بعد رسالة المؤمن مسلم بن عقيل لك، أن تَتركَ أهلَك في الديارِ، أو أنْ تنتظرَ لُِيعِدّوا لك جيشاً يمشي معك.

كنت تعلم أنَّهُ لم يَمْضِ وقتٌ طويلٌ على أسلمةِ الناس،

فخِفتَ أن يُقالَ: فَعلَ يزيدُ كذا وكذا بالخلافة، وصال وجال، ولم يَرْدَعْهُ أحد.

خِفْتَ أنْ تُصبِحَ الأعرافُ من صُلْبِ العقيدة.

ما قيمةُ الحياةِ وما نفعُها لولا وجودُ حُسينٍ في كلِّ زمن ٍ، وفي كُلِّ مكان ٍ ينتفضُ، ويتصدى، ويقاتلُ مَنْ يخونُ الأمانة فكيف إذا كانتِ الأمانةُ امانةَ اللهِ، وأمانةَ إسلامٍ، وأمانةَ الرسول محمد(ص) جدِّك؟

كان من واجبِك أنْ تُقاتِلَ وأن تُكافحَ، لأنّكَ مسلمٌ حقيقيٌّ أعارَ اللهَ جُمْجُمَتَهُ، ولم تَغُرَّهُ ملذّاتُ الدنيا.

خروجُك ضِدَّ الظالم، كما استشهادُك، أمْرٌ طبيعيّ، فالْلاطبيعيُّ أنْ تصمتَ،وأن تساوِمَ وأنْ تهادن،وأنْ تَجْبُنَ، وأن تعيشَ وأنتَ غيرُ موافق.

كنتَ تعلمُ أنَّ الهزيمةَ العسكريةَ في كربلاءَ واقعةٌ لا محالة، فإنْ لم يَحْسِمِ السيفُ المعركةَ كان العطشُ سيحسمُها، إلّا أنّكَ ابتسمتَ، لِأنَّكَ كُنتَ تدري، وعلى ثقة تامة، أنَّك ستخسرُ معركةً دامت ساعاتٍ قليلةً، الا ا

أنّك ستربحُ وستفوزُ بحربِ الزّمن ِ كُلِّهِ، لِأنَّ استشهادَك سيُطلِقُ شراراتٍ، في كل زمن ٍ ضدَّ الحاكمِ الظالمِ وضدَّ العدوِّ الغادر.

وهاكَ الكثيرُ من المساجدِ، عند كل طوائفِ المسلمينَ تحملُ اِسْمَك.

من أجْل ِ المسلمينَ قرّرتَ بِإباءٍ أنْ تُقاتِلَ، كفارسٍ شجاع ٍ وَحْدّكَ بعد سقوط إخوتِك وأبناءِ عمومتِك وانصارِكَ الشُّرفاء، لِيَكتُبَ التاريخُ اِسْمَكَ بالدَّمِ وبالوردِ معاً.

ما أعظمَك!

يا ليتنا كنّا معك.

يا ليتنا كنّا لنفوزَ فوزاً عظيماً ضدّ الحاكِمِ الظالم.

هذا هو الفرقُ بينَ الاخلاقِ التي تحدّثَ عنها رسولُ الله:"...إنّما بُعِثْتُ لِأُتمِّمَ مكارمَ الاخلاق..."، وبين ملذّات الدنياوألاعيبِها التي بشَّر بِها الحاكمُ الظالمُ المنحرفُ، في دولتِهِ عن رسالةِ الإسلام.

ما أرْوَعَك!! فحتى في استِشهادِكَ أعطيتَ الأجيالَ، من بعدك، درساً في الأخلاق ِ إلى الأبد.

ما أحوجنا إليك.

لستَ مُلْكَ طائفةٍ من الناس، لا مُلْكَ حزبٍ أو جماعة،وحتى لستَ احتكاراً لِدِين ٍ ولِعرَبٍ أو لِعجَم.

أنتَ أيقونةٌ تاريخيةٌ عالميةُإنسانيةٌأخلاقيةٌ تحكي كيفَ انتصرَالدَّمُ على السيف، وكيف انتصرتِ الكلمةُ على دولةٍ، وعلى جيش، وكيفَ يقفُ القائدُ الفارسُ المؤمنُ بِاللهِ وَحِيداً على أرض الجبهة، ولا يقول إلّا: "لا ...".

لا، للظالم.

لا، للسارق.

لا، للقاتل.

لا، لِلِانحرافِ عنِ العدالة الإلٰهية.

سيدي القائد، يا ليتنا كُنّا معك فنفوز فوزا عظيما.

من هنا، ومن تحت شجرةِ تينٍ محررةٍ في بلدةِ حاروف، وأنا جالسٌ على تنكةٍصدئة ٍومطعوجة،أرفعُ الدعاءَ لله أنْ يَجمَعَنا معَ الشُّرفاءِ الصادقينَ، من كلِّ زمان ٍ ومكان، ومن كلِّ المِلَل، فالشرفاءُ أَقارِبُ، بل أهلٌ وأخوةٌ، والله أعلم.

المصدر: موقع إضاءات الإخباري