النوستالجيا والاقتصاد
مقالات
النوستالجيا والاقتصاد
سامح عسكر
15 شباط 2024 , 10:44 ص


تُعرف النوستالجيا بالحنين إلى الماضي، وهي غريزة بشرية تفترض أن الماضي كان جيدا بشكل دائم، ثم تنطلق منها بصب اللعنات على الحاضر والتشاؤم من المستقبل..

هي أصل التفكير الماضوي ، وهي الغريزة الكبرى التي تدفع الإنسان للخلف ويعيش معها في ظل أوهامه وخيالاته..

وصل الإنسان حديثا إلى أن التفكير الماضوي هو سر معاناة البشرية، وأن السعادة تتحقق بالفكر التقدمي، الذي يقوم في جوهره على فك الاشتباك والالتباس بين (الماضي – الحاضر- المستقبل)

تتخلف الأمم اقتصاديا وفكريا إذا كان الماضي لديهم جيدا فيعملون على استدعاءه، والحاضر سيئا فيثورون عليه، والمستقبل مدمرا فيتحاشون ذكره..فتخلف أوروبا بالقرون الوسطى – مثلا - كان بسبب هذه المنظومة الفكرية التي تُمجد وتُعظم الدولة الرومانية وتعيش على أطلالها، فلم يُبصروا حاضرهم وتناولوه بازدراء ومقت حتى إذا خرج أحد المكتشفين والمخترعين ثاروا عليه وتمردوا على أفكاره..حبسوه..قتلوه..عاقبوا كل من يؤمن به..

تحاشوا ذكر المستقبل لأن العالم لديهم في انحدار دائم من أعلى إلى أسفل، وهي الخطيئة الكبرى في التفكير الماضوي، حيث يفترضون أن العظمة والإنجاز والسعادة والحقيقة كلها تنطلق من الماضي ، ثم تنحدر شيئا فشيئا حتى تهوي بهم إلى المستقبل البائس مثلما يتصوروه..

تخيل لو علم الأوروبيون في القرن 16م مستقبلهم في القرن 21 هل كانوا سيرفضوه؟

ترقي الإنسان في الحياة وتطوره مرهون بخفض أو تعطيل هذه السلسلة الماضوية، ليكون المستقبل مليئا بالأمل، والحاضر بالطموح، والماضي بالدراسة والمراجعة..

تطور الاقتصاد في أي بلد يبدأ من هذه المنظومة، حيث تعالج الدولة خلل التفكير الماضوي لتصبح أكثر واقعية برؤية الحاضر دون خيالات وأوهام، فأكثر ما يُفشل الأمم تصورها الوهمي لحاضرها، وربط واقعها الحسي بتاريخها الأيديولوجي والعقائدي، فلا يدركون أن أهم عناصر الاقتصاد (وهو الإنسان) مُعطل بفعل فاعل ومسحوب للخلف على غرار حركات الجزر في البحار.

فالإنسان هو الذي يُنتِج وهو الذي يَستهلك، وهو الذي يُنفق وهو الذي يَستدين وهو الذي يُسرف وهو الذي يُرشّد، وهو الذي يُدير ويُدار، والذي ينجح ويفشل..فهو عماد أي اقتصاد، وما من دولة تعاني على مستوى الاقتصاد والمال إلا ويكون السبب الأصيل في ثقافة مواطنيها ونظامها التعليمي والإعلامي...

ملخص الفكرة: أن الاقتصاد ينهض إذا فكرنا بطريقة مختلفة عن السائد، فالماضي ليس جيدا كما تظن، والحاضر ليس بائسا كما تعتقد، والمستقبل ليس مدمرا مثلما تتوهم، فعندما يمتلك الإنسان هذه القناعات يبصر حاضره بشكل جيد ، فيُحوّل السلع والثروات التي يمتلكها لطاقة إنتاجية هائلة تدفعه للانتعاش والأمل والتفاؤل بمستقبله،

وهنا الرهان الاقتصادي (مستقبل الأجيال) فلو عمل الآباء والأسلاف عملا جيدا لعاش الأبناء والأحفاد بطريقة جيدة، ولو عمل الأسلاف عملا فاشلا سيئا لعاش الأبناء والأحفاد بطريقة سيئة بائسة، فنحن نتاج من سبقونا، ولولا تقصيرهم وجهلهم ما عانينا ولا زلنا نعاني.. 

المصدر: موقع إضاءات الإخباري