كتب الأستاذ حليم خاتون:
صدام حسين أُخرج من حفرة كما الجرذان بينما أُستشهد يحي السنوار وهو يقاتل...
بشار الأسد هرب إلى موسكو كما الأرانب بينما أستشهد السيد نصرالله وهو يقود حرب المقاومة من موقع القيادة...
نيكولاس مادورور أُعتقل دون أن يطلق رصاصة واحدة وإن كان بحيلة من بعض جنرالات الجيش بينما قاتل سيلفادور ألليندي حتى دخل التاريخ من الباب العريض...
ثلاثة أمثلة ونقيضها كافية لتحديد المصير:
مزبلة التاريخ... أم عرش التاريخ!
هل تستوعب إيران ما يحصل؟
هل تستوعب قول ميدفيدف بعد قصف كاراكاس:
وحده السلاح النووي هو من يحمي!
أم لا يزال الدكتور هادي دلول مصِرّ كما بعض قيادات محور المقاومة على لعبة اغراء ترامب بالاستثمارات!!!؟
"لو دخل حزب الله الحرب الشاملة في السابع والثامن من أكتوبر ٢٠٢٣، لكنّا أُضطررنا إلى محاربة كتائب الرضوان وحماس في شوراع حيفا وعسقلان وربما التقى المهاجمون الآتون من غزة مع أولئك الآتين من لبنان في وسط تل أبيب"
هذه تقريبا خلاصة تقرير مهم قدمه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق هيرتسي هاليفي منذ حوالي السنة...
أليست هذه إجابة كافية على كل المتحذلقين الذين ينبؤوننا بأن لطف الله وحده نجّانا حين اكتفينا بحرب إسناد ولم نذهب إلى الحرب الشاملة؛ بذريعة أن مجزرة البيجرز كانت لتكون أكثر مأساة!!...
( بالمناسبة، أين صارت محاسبة كل الأطراف التي مرت عليها صفقة البيجرز... لكن هذا موضوع آخر)...
"لو كانت إيران دخلت الحرب الشاملة في السابع أو الثامن من أكتوبر ٢٠٢٣، لاختفت إسرائيل عن الخارطة..."
هذا ملخص تقرير غيئورا أيلاند من داخل الدولة الحاكمة في أميركا...
هل أُكلت إيران يوم أُكل الثور الأبيض؟
في كل الحوارات التي تجري على تلفزيون المنار أو على الميادين وغيرها من شاشات محور المقاومة، تصر هذه الشاشات على كيل المديح لإيران ورسم هالة حول قوة النظام وتماسكه في الجمهورية الإسلامية، وحول التفاف الجميع حول القيادة بما في ذلك المعارضين لنظام ولاية الفقيه استنادا إلى ما حصل أثناء الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران في حزيران ٢٠٢٥...
إلى أي مدى يمكن أن يكون هذا الكلام صحيحا، أو على الأقل، مبالغا فيه؟
أحد أهم اسباب المأساة التي حلّت على محور المقاومة طيلة حرب إسناد غزة وصولا إلى يومنا هذا، ناتج بشكل أساسي عن "الخربطة" والضياع في داخل قيادة المحور بشكل عام، وفي طهران تحديدا...
تعود هذه "الخربطة"، وهذا الضياع وفقا للكاتب الاردني عُريب الرنتاوي إلى غياب القرار داخل مؤسسات الدولة في إيران...
يُرجع الاستاذ عُريب هذا الضياع إلى غياب الوحدة الفعلية ليس فقط على صعيد الدولة، بل حتى على صعيد النظام نفسه الذي انقسم منذ اليوم التالي لقيام الجمهورية الإسلامية إلى تيار محافظ وآخر إصلاحي مع وجود "فرافيط" على جانبي هذين التيارين...
الحزم الثوري والوحدة وما عرفناه في الأيام الأولى لقيام نظام الجمهورية الإسلامية لم يلبث ان تراخى، وصارت إيران تبدل المواقف الاستراتيجية مع تبديل هوية السلطة وفقا لفلسفة محاولة التواؤم مع الغرب عموما، ومع أميركا خصوصا مراضاة لتجار البازار...
برز أول شرخ حين تم دعم وصول أبي حسن بني صدر إلى رئاسة الجمهورية وكادت الثورة تخسر أهم منجزاتها مع هذا الرئيس، وينجح الاميركيون في انقلاب من داخل النظام لإعادة السيطرة على إيران...
توالى رؤساء الجمهورية وفقا لما يريده الخارج او تجار الداخل، بينما طهران والنظام يراهنان دائما على إيجاد طريقة للكلام مع هذا الخارج الذي لم يرد يوما اي خير للنظام الجديد...
حيناً، يأتي رئيس إصلاحي من داخل المؤسسة الدينية كما في حالة الرئيس محمد خاتمي لإبراز نية النظام في الحوار ومفاوضات الإندماج في المجتمع الدولي الذي تسيطر عليه اميركا، وحينا آخر يأتي رئيس متشدد في البرنامج النووي كما كان أحمدي نجاد...
في بعص الأحيان يأتي رئيس حل وسط بين الإصلاحيين والمحافظين كما كان الحال مع هاشمي رافسنحاني...
استمرت نفس التقلبات مع روحاني ثم رئيسي إلى أن وصلنا إلى بازكشيان...
كل رئيس يأتي إما لمحاورة الخارج وإما لتهدئة الداخل...
هذا الضياع لم يفوّت على إيران فرصة بناء دولة واحدة قوية مستقلة تستطيع الانتقال بإيران من تصنيف العالم الثالث إلى العالم الأول كما جرى مع الثورة الصينية فحسب، بل أدى هذا الضياع إلى تمكن الغرب وإسرائيل من اختراق النظام من داخله بحيث استطاعت إسرائيل إنشاء قواعد سرية داخل الدولة نفسها للهجوم على نفس هذه الدولة...
حتى بناء القنبلة النووية الإيرانية خضع لنفس هذا الضياع بين رئيس محافظ تارة ورئيس إصلاحي تارة أخرى إلى أن وصلنا إلى وضعية التهديد الوجودي لأساس الدولة الإيرانية وقد أضحت إيران عارية من أي غطاء نووي...
الكل يعرف ان مستوى التقدم في إيران كان ولا يزال يسمح ببناء هذه القنبلة ووضع الغرب وإسرائيل أمام واقع لا يستطيعون سوى القبول به كما جرى الأمر مع كوريا الشمالية...
لكن فلسفة غريبة تتحكم بالقيادة في إيران سوف تؤدي بهذا البلد الى التهلكة كما حصل مع الصبر الاستراتيجي!
نفس الضياع الذي عاشت وتعيش فيه طهران في المسألة النووية، عاشت وتعيش فيه طهران في البقاء داخل منظومة الدولار الأميركي أو اليورو الأوروبي...
كيف يمكن بناء مجتمع مقاوم والتجارة والتجار لا يزالون على ارتباطات بسوق الدولار واليورو؟
لماذا لا يزال الإقتصاد الإيراني يرتبط بالمنظمومة الغربية المعادية؟
وحدها الانقسامات داخل النظام هي ما يسمح بذلك...
لماذا لا يجري ضرب مافيا الدولار واليورو عبر ضرب التجارة المرتبطة بهاتين العملتين وهذا لم يعد صعبا على الإطلاق في العالم الحالي حيث تراجعت قوة أميركا وصارت أوروبا مجرد امبراطورية مُسنّة لا تقدم ولا تؤخر في شيء...
لولا هذه الإنقسامات لما تجرأت إسرائيل على مهاجمة إيران حيث غاب القرار مع غياب قاسم سليماني...
كانت إسرائيل تخشى من قيام هجوم كامل عليها من جميع الجبهات وفق تصور سليماني والتيار المحافظ، فإذا بالتيار الإصلاحي يعمل من حيث يريد أو لا يريد، عن عمد أو عن غباء؛ عمل التيار الاصلاحي على فكفكة محور المقاومة والسماح للأميركيين باستفراد كل طرف في هذا المحور على حدة حتى جاء اليوم الذي تجرأت فيه إسرائيل وفتحت أعين الاميركيين على إمكانية تدمير إيران من عدة جبهات بما في ذلك من الداخل...
ما ينطبق على إيران، ينطبق بكل أسف على كل طرف في محور المقاومة...
لهذا، ومع غياب عماد مغنية قبل خمسة عشرة سنة، وغياب السيد حسن، تضعضع على ما يبدو التيار الرديكالي داخل حزب الله وبتنا نعيش زمن احتلال أميركي اسرائيلي يُنَظّر له جماعة الإصلاحيين في طهران ويصل التفكير عند الدكتور هادي دلول مثلا إلى نظريات تقوم على التحالف مع ترامب ضد الترامبية وفقا لنظريات استثمار لا علاقة لها بأسس الإقتصاد الرأسمالي منذ آدم سميث والى يومنا هذا...
بدون شك، يعتبر ترامب ظاهرة؛ لكن الذي يحكم الولايات المتحدة الأميركية هي دائما ودوما الدولة العميقة التي تسيطر على كل شيء عبر اللوبي اليهودي أيباك وعبر أدوات مختلفة ليس إبستين إلا أحدها...
الغريب ان الأستاذ دلول وجماعة الإصلاحيين لم يقرأوا مقررات حلف الأطلسي سنة ٢٠٠٦ التي وضعت ٣٤ دولة بينها إيران وفنزويلا ونيجيريا وحتى دول خليجية ضمن البلدان الواجب احتلالها والسيطرة على مقدراتها...
لقد استطاع اللوبي الصهيوني تسخير الدولة العميقة في اميركا للتخلص من جون كينيدي حين حاول هذا الأخير لجم المشروع النووي الإسرائيلي، وكان قد زرع ليندون جونسون في منصب نائب الرئيس بعد أن سيطر عليه عبر زوجته اليهودية الصهيونية...
منذ روتشيلد ونحن نرى اليهود يخططون ببراعة ويسيطرون على الدول ذات التأثير فانتقلوا من الإمبراطورية النمساوية إلى فرنسا بونابرت ثم إلى بريطانيا قبل أن يتمكنوا من اختراق الولايات المتحدة الأمريكية دون أن يمنعهم هذا الأمر من اختراق الحزب الشيوعي السوفياتي بغية السيطرة على الدولة السوفياتية وهذا ما كانت عليه الأمور فعلا...
ما حصل في فنزويلا يجب أن يفتح بعض الأعين في محور المقاومة لجهة وجوب الانتقال إلى الصدام مع العملاء بدل انتظار هليكوبتر تأتي ضمن توافق مع عملاء الداخل لاغتيال أو اعتقال القادة بينما هم منهمكين في التفكير حول كيفية إيجاد طريقة للتواصل مع هذا الغرب الاستعماري الذي لم يتخل يوما عن مشاريع استعباد الشعوب المستضعفة...
ما حدث في فنزويلا يجب أن يدفع الإصلاحيين في إيران للتوفف عن التفلسف على سما المقاومين، والتوقف عن اللعب بالنار داخل المجتمع الإيراني، والتوجه فورا لبناء القنبلة سواء رضي الغرب والشرق ام لم يرضوا...
لعل ما حدث في فنزويلا يفتح عقول الروس والصينيين إلى مدى خيبتهم وقصر نظرهم لأنهم سمحوا بسقوط سوريا وهم إن أكملوا على نفس المنوال قد تسقط إيران أيضا...
راهن الدكتور طلال أبو غزالة على حتمية الحرب العالمية الثالثة؛ لكنه نسي أن في مقابل محور الشر الأميركي الكثير من الأغبياء الذين لا يزالون يعيشون في عالم الأوهام واعياد الميلاد...
اذا ظل هؤلاء الأغبياء في مواقع القرار، لن تحتاج أميركا وإسرائيل إلى اية حروب كبرى لأن في ايديهم سلاح فتاك اسمه الخصوم الأغبياء...