دراسات و أبحاث
8 كانون الثاني 2026 , 11:30 ص

كشفت دراسة علمية واسعة النطاق أن منع التكاثر يرتبط بزيادة متوسط العمر لدى الثدييات، في إشارة واضحة إلى وجود علاقة قوية بين النشاط التناسلي ومتوسط العمر المتوقع. وتشير النتائج إلى أن توزيع الطاقة بين التكاثر وصيانة الجسم يلعب دورا محوريا في تحديد طول العمر، وليس العوامل الوراثية أو البيئية فقط.

العلاقة بين التكاثر ومتوسط العمر

لطالما حيّر العلماء سبب عيش بعض الحيوانات لعقود طويلة، في حين لا يتجاوز عمر أنواع أخرى بضع سنوات. فعلى سبيل المثال، قد تعيش أنثى الفيل حتى 80 عاما رغم إنجابها عددا محدودا من الصغار، بينما تعيش الفئران سنوات قليلة فقط لكنها قادرة نظريا على إنجاب أكثر من 100 نسل.

وتفسر النظرية التطورية هذا التباين من خلال مقايضة أساسية: الكائنات الحية تمتلك طاقة محدودة، وعليها توزيعها بين التكاثر والحفاظ على وظائف الجسم.

دراسة شاملة على 117 نوعا من الثدييات

أجرى فريق بحثي دولي، بمشاركة علماء من معهد ماكس بلانك لعلم الإنسان التطوري في لايبزيغ، تحليلا لبيانات 117 نوعا من الثدييات تعيش في حدائق الحيوان وأحواض الأحياء المائية حول العالم، إلى جانب تحليل تلوي لـ71 دراسة علمية منشورة.

وأظهرت النتائج أن الحيوانات التي خضعت لمنع التكاثر، سواء عبر وسائل منع الحمل الهرمونية أو التعقيم الجراحي الدائم، عاشت في المتوسط أطول بنسبة 10% مقارنة بغيرها.

لماذا يؤثر التكاثر على البقاء؟

يتطلب التكاثر استثمارا بيولوجيا ضخما، فالحمل والرضاعة يستهلكان طاقة كبيرة، كما أن إنتاج الحيوانات المنوية، وسلوكيات التزاوج، ورعاية الصغار تمثل عبئا إضافيا على الجسم. وحتى خارج فترات التكاثر، تستمر الهرمونات الجنسية مثل التستوستيرون والإستروجين في التأثير على النمو والسلوك وعمليات الشيخوخة.

وتوضح الباحثة يوهانا شتارك أن حدائق الحيوان تمثل بيئة مثالية لدراسة هذه الظاهرة، نظرًا لإدارة التكاثر فيها بشكل دقيق، ما يتيح مقارنة طبيعية بين الحيوانات في الظروف نفسها.

نتائج لافتة لدى أنواع متعددة

ظهر تأثير إطالة العمر عبر مجموعة واسعة من الثدييات، شملت:

الرئيسيات

الجرابيات

القوارض

وفي بعض الحالات كانت الفروق كبيرة:

إناث بابون الهامادرياس اللاتي تلقين موانع حمل هرمونية عشن أطول بنسبة 29%

الذكور المخصية من النوع نفسه عشن أطول بنسبة 19%

ويشير الباحث فرناندو كولتشارو إلى أن تقليل الاستثمار في التكاثر يسمح بتوجيه المزيد من الطاقة نحو إطالة العمر.

الذكور والإناث: زيادة في العمر لأسباب مختلفة

رغم أن كلا الجنسين استفاد من منع التكاثر، فإن الآليات البيولوجية تختلف:

الذكور

يوضح الباحث مايك غارات أن الخصي فقط، وليس قطع القناة الدافقة، يؤدي إلى إطالة العمر. ويعزى ذلك إلى إلغاء تأثير هرمون التستوستيرون، خاصة خلال مراحل النمو المبكرة، حيث تظهر الفوائد الأكبر عند إجراء الخصي في سن مبكرة.

الإناث

في المقابل، ساهمت عدة أشكال من التعقيم في إطالة عمر الإناث، ويُعتقد أن السبب هو تخفيف الأعباء الفسيولوجية الكبيرة المرتبطة بالحمل، والرضاعة، والدورات التناسلية.

ومع ذلك، تشير دراسات على القوارض إلى أن إزالة المبايض قد تحمل آثارا صحية سلبية في مراحل لاحقة من العمر.

اختلاف أسباب الوفاة بين الجنسين

أظهرت الدراسة اختلافا في أنماط الوفاة:

الذكور المخصيون كانوا أقل عرضة للوفاة بسبب السلوكيات العدوانية والمخاطرة

الإناث اللواتي مُنعن من التكاثر كن أقل عرضة للوفاة بسبب العدوى، ما يدعم فرضية أن التكاثر يضعف الجهاز المناعي بسبب استنزاف الطاقة

ماذا عن البشر؟

البيانات البشرية حول هذا الموضوع نادرة. وتشير سجلات تاريخية، مثل خصيان البلاط الكوري في عهد سلالة تشوسون، إلى أن الرجال المخصيين عاشوا أطول بنحو 18%، رغم الجدل حول دقة هذه السجلات.

أما لدى النساء، فقد ارتبط التعقيم الجراحي لأسباب غير مرضية بانخفاض طفيف في متوسط العمر لا يتجاوز 1% مقارنة بغير المعقمات.

خلاصة علمية

تؤكد الدراسة أن التكاثر يحمل تكاليف بيولوجية حقيقية وقابلة للقياس لدى الثدييات، ويمثل مقايضة تطورية أساسية بين البقاء والتكاثر. وتنشأ هذه التكاليف من تفاعل معقد بين الهرمونات والمخاطر الجسدية والنفسية المرتبطة بالتكاثر.

ويخلص الباحثون إلى أن فهم هذه العلاقة يساهم في تعميق معرفتنا بآليات الشيخوخة، والفروق البيولوجية بين الذكور والإناث في تحقيق التوازن بين البقاء والتكاثر.

المصدر: Max Planck Institute for Evolutionary Anthropology
الأكثر قراءة أنشودة يا إمامَ الرسلِ يا سندي, إنشاد صباح فخري
أنشودة يا إمامَ الرسلِ يا سندي, إنشاد صباح فخري
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً