بقلم: ناجي علي أمهز
إلى الخبير الجيوسياسي الأخ عباس الزيدي، مع خالص التحية والتقدير.
شكراً لأنك بدأت حديثك بذكر حسن الاستقبال وكرم الضيافة؛ فتلك شيمنا التي نعتز بها. وشكراً "للإمام الحسين" الذي عرفني على حضرتك، وأنا ما زلت أذكر رسائلك التي كنت تفيض فيها بالدعاء لي من مراقد الأئمة الأطهار، من الحسين إلى الكاظم وعلي (عليهم السلام). والمفارقة يا أخي، أننا نحن "النخب" غالباً ما تُستغل طيبة قلوبنا باسم الدين، لكنني سأظل أحترم "خبزنا وملحنا" الفكري، انطلاقاً من تربيتي اللبنانية الفينيقية الكنعانية التي تقدّس الوفاء وتحترم أدبيات "الملح والكبريت".
لقد توقفتُ عند نقاطك التي أثرتَ فيها مسألة "الماسونية" وانتقادي للإعلام، وأجد لزاماً عليّ توضيح الآتي:
من الطبيعي يا حضرة الخبير، أن أي نخبوي يقرأ لفولتير وغوته وماركس، ويتابع قلم "ناجي أمهز"، سيُصنف في خانة "المتنورين". ولأن العقل العربي الجمعي يميل أحياناً لشيطنة ما لا يفهمه (كما وصف الجهلاء قديماً علماء الكيمياء بالسحرة)، صار يُنسب كل فكر حر إلى "المحافل".
أنا لا أنكر أن نخبًا عالمية، ومنهم ماسون، يحترمون فكري وترجموا مقالاتي عن "النظام العالمي والرموز"، ويناقشون تشريحي للتراكم التاريخي والسياسي. هذا الانتشار العالمي يسمى "دبلوماسية فكرية" استطاعت الوصول بكلمة "الشيعة" إلى أبعاد يعجز عنها إعلام المحور مجتمعاً. إن القيادات الحكيمة تحترم هذا الدور، لأنه يصب في المصلحة الشيعية العامة، خاصة وأنني لم أخرج عن الثوابت، ولم أبع قلمي في سوق المزايدات.
تقول إنني نعتُّ رجال الإعلام بـ "باعة الكلام"؛ والحقيقة أنني لستُ مستعداً لأن يموت أبناؤنا أو يُدمر مجتمعنا بسبب "تصريح إعلامي" متهور يطلقه شخص يبحث عن الشهرة أو "التريند".
ثم أين نحن وأين أنت و 95% من الشيعة، من رغد العيش الذي يتمتع به بعض "منظري المحور" على حساب طائفة وصلت إلى الانهيار بسبب جنون الخطاب الإعلامي الذي يفتقر لأدنى موازين القوى أو الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية؟ إن عزل الشيعة عن محيطهم وإثارة العداوات المجانية ليس "مقاومة"، بل هو انتحار استراتيجي حذرتُ منه مراراً.
ثم انك وصفتَ كتاباتي بـ "الروح الانهزامية"، لكنني أسألك بصدق: أليس من الأمانة والشهامة أن نعترف بأن ما وصفه المحور بـ "الجنون" في مقالاتي السابقة، صار اليوم حقائق سياسية واجتماعية ملموسة؟
ثم اليس دوركم وانتم في المحور ان تبحثوا عن سبب ما الت اليه الامور، احتراما لكل من ارتقى شهيدا على هذا الدرب، واعادة تقييم واعية وعميقة، واستنتاج العبر وتغيير ما يمكن تغييره، لا ان تبقى الاليات كما هي رغم كل المتغيرات الاقليمية والعالمية.
صديقي وانا اقول لك صديق لان صديقك من صدقك ليس من مدحك، أنا لا أصيغ السياسة العالمية، بل أقرأ خوارزمياتها. عندما يصدق ناجي أمهز في كل استشرافاته، ألا يجدر بنا الاستفادة من هذا العقل لنهضة الطائفة بدلاً من اتهامه بـ "زرع الوهن"؟ إن "الوهن" الحقيقي هو أن نكذب على أنفسنا حتى نقع في الهاوية، والانتصار الحقيقي يبدأ من المصارحة لا من الهروب إلى الأمام.
نحن نؤمن بالوعد الإلهي والحق، لكننا نؤمن أيضاً بأن الله أعطانا العقل لنبني به الحياة لا لنبرر به الفشل الإداري. لقد قدمتُ للشيعة ما عجزت عنه مراكز دراسات ومؤسسات كلفّت مئات الملايين من الدولارات دون أن تقدم رؤية واحدة يبنى عليها.
ختاماً..
سأبقى ذلك القلم الحر الذي ينهل من ثقافة الإمام علي (ع) الإنسانية والوجودية. إن كنتُ "متنوراً" فهذا فخرٌ لي، وإن كنتُ أقول الحقيقة المرة فهذا واجبي تجاه دماء الشيعة. نحن لا نخاف الموت، لكننا نقدّس الحياة الكريمة التي أرادها الله لنا.
أسأل الله أن يحفظ الجميع، وأن ينير بصائرنا لنفرق بين "ضجيج الكلام" وبين "نور الحقيقة".