إن دراسة التاريخ منذ بدء الخليقة تؤكد تعاقب الامم والامبراطوريات وفق قواعد نشوء الامبراطوريات وزوالها , تسقط امبراطورية لتعلو اخرى على انقاضها , لا شيء دائم الا حركة التاريخ , فهي المتغير الوحيد , تنشأ الامبراطورية وتنمو وتزدهر , تواصل النمو اكثر واكثر حتى تصل الى نقطة الانسداد الحضاري فتبدأ مرحلة السقوط.
هذه المرحلة قد تاخد شكل التراجع البطيء , وقد تاخد شكل السقوط الدراماتيكي السريع لتصبح جزء من تاريخ البشرية , بعد انهيار الاتحاد السوفيتي , اخد الغرور القاتل بعقول فلاسفة الغرب الامبريالي , فكتب فوكوياما ينظر بنهاية التاريخ , بمعنى ان الصراع الايديولوجي والفكري قد انتهى ووصل العالم الى مرحلة الكمال الذي لن يتغير ...
تختلف النظرية الماركسية عن النظرية الراسمالية من حيث الجوهر , فالماركسية تقوم على المادية كاساس لحركة التاريخ , اما الراسمالية فتقوم على اساس المثالية الغيبية اي الوقع الغير ملموس , من هنا نستطيع القول بان نهاية التاريخ لفوكوياما ما هي الا احلام يقظة تتناقض مع حركة التاريخ الطبيعية , فقراءة التاريخ تخبرنا ان لا شيء ساكن الا الموت , وما عدا ذلك فكل شيء متحرك ومتغير , وان الامبراطوريات تتعاقب فتظهر امبراطورية وتزول اخرى وتتعاقب الامم على مر الزمن.
كانت ذات يوم روما وفارس , وكان العرب وروما , وبيزنطية وروما , وفرنسا وبريطانيا ( الم تسمى ذات يوم بريطانيا بالمملكة التى لا تغيب عنها الشمس , فاين هي الان ) وكان الاتحاد السوفيتي وامريكا , ... تزول امبراطورية فتتفرد الاخرى لفترة من الزمن لتزول بدورها لتظهر على انقاضها معادلة اخرى بامبراطوريات اخر . والثابت هنا هو الخط البياني , فكما يكون الصعود ياتي السقوط , والسقوط هنا قد يكون سريعا بشكل دراماتيكي وقد يكون تدريجي ياخد فترة من الزمن .
وما نشهده اليوم من عربدة وبلطجة امريكا ما هو الا مشهد من مرحلة السقوط الامريكي , المحرك الرئيسي في صعود الامبراطورية وسقوطها هو العامل الاقتصادي , وهذا العامل يسبق عامل القوة العسكرية , فلا قوة عسكرية دون قوة اقتصادية , في سبعينيات القرن الماضي كانت الميزانية الامريكية لا تتجاوز ثلاثة ترليون دولار وكان حجم الاقتصاد الامريكي يتجاوز سبعة واربعون بالمئة من حجم الاقتصاد العالمي , اليوم الميزانية الامريكية تتجاوز العشرين ترليون دولار اما الاقتصاد الامريكي فلا يتجاوز السبعة عشرة بالمئة من حجم الاقتصاد العالمي , وهذا يعني ان حجم الاقتصاد الامريكي قد اصبح عاجزا عن تلبية متطلبات الحفاظ على القوة العسكرية لامريكا , الامر الذي سيدفع بامريكا للتراجع عن لعب دور القوة العالمية الاولى في العالم , وتراجع حجم الاقتصاد الامريكي في الحجم الكلي للاقتصاد العالمي سيؤثر او هو فعلا قد اخد يؤثر على مستوى الحياة للمواطن الامريكي , وهذا بدوره سيؤثر على ترابط المجتمع الامريكي المتعدد والمختلف من حيث الاصول والجدور , وبتصوري ان النتيجة النهائية للولايات المتحدة الامريكية هو التجزئة والتفكك الى عدة دول , وهذا سيبداء بانفصال الولايات الاكثر تقدما وثراء عن الاتحاد الامريكي , باختصار , اعتقد انه في النصف الاخر من القرن الحالي لن يكون للولايات المتحدة الامريكية وجود بشكلها الحالي وحدودها الحالية