مقالات
"وعد بلفور الجديد".. مؤامرة "قسد" وهزيمتها في حلب
م. ميشيل كلاغاصي
14 كانون الثاني 2026 , 15:13 م


م. ميشال كلاغاصي

12/1/2026

خلال السنوات القلية الماضية، تكررت مواقف تنظيم "قسد" الإرهابي وإتهاماته الولايات المتحدة الأمريكية بتوجيه "الطعنات في الظهر" للتنظيم وللكرد بشكلٍ عام، وتجاوز عددها -الستة طعنات-، في انعكاسٍ مباشر لشعور التنظيم بـ "الخيانة" الأمريكية، على الرغم من الدعم الأمريكي الكبير بالمال والسلاح والحماية والغطاء السياسي الذي يبرر ويمنح التنظيم الخارجي الغريب شرعية التواجد والعمل على الأراضي السورية على مدى 10 أعوام.

وعلى الرغم من قيام الولايات المتحدة بإبتداع صيغة وتسمية وإنشاء تنظيم "قسد" ليبدو وكأنه صيغة سورية جامعة تمثل كافة المكونات والتركيبة السكانية لمنطقة الجزيرة السورية، في وقتٍ أخفت فيه أنه فرعٌ لحزب العمال الكردستاني التركي-الإيراني، لكن ذهنية قيادات "قسد" تجاوزت حجمها، وبدأت تتصرف على أنها تنظيم مستقل، من خلال سلوكٍ ساذج متعجرف، استند إلى وجود عدة داعمين ومشغلين إضافيين كالفرنسيين والألمان والبريطانيين والإسرائيليين، الأمر الذي دفعها للإعتقاد بأنها شريك وندّ للولايات المتحدة ولكافة المشغلين، واّمنت بأنهم يقدمون لها الدعم والحماية لهدف وحيد وهو تنفيذ "وعد بلفور جديد" بإقامة وطن قومي للكرد على الأراضي السورية، وعدة دول مجاورة، ولم تستوعب بأنها مجرد أداة لخدمة مصالحهم، تُرمي بعد إنتهاء مهمتها.

وتنوعت أسباب ما دعي بالطعنات الأمريكية، وذلك كلما شعرت "قسد" بتراجع الدعم الأمريكي تارةً، ومع التحذيرات والتهديدات التركية تارةً أخرى، كذلك مع التصريحات الأمريكية المتكررة للوزير أنتوني بلينكن: "عدم إمتلاك واشنطن "أي استراتيجية في سورية"، ومع الإشارات والتصريحات الخادعة المباشرة للرئيس ترامب (في رئاسته الأولى)، التي أكدت نواياه للإنسحاب من سورية، الأمر الذي وضع "قسد" تحت ضغوط كبيرة من أنقرة ودمشق لتسليم مناطقها أو لإبرام اتفاقات جديدة مع الحكومة السورية، بشروطٍ قد لا تكون في صالحها، كسحب ملف محاربتها المزعومة لتنظيم داعش الإرهابي من يدها، وتسليم ملفات السجناء فيه لمؤسسات الدولة، وإنهاء سيطرتها على الحدود والمعابر مع دول الجوار، ومخاطر خسارتها اّلية إتصال أنفاقها مع إقليم كردستان العراق، ومع تركيا، وغير أنفاق داخلية صُممت أساساً لخدمة مشروع "ممر داود" مع الكيان الإسرائيلي.

ملفاتٌ بمجملها تهدد مستقبل "الإدارة الذاتية" وتنسف مبرر استمرارها، وتقضي على مشروع تقسيم سوريا، وعلى حلم إقامة الدولة الكردية في سوريا وبالنيابة عن كافة الدول المعنية (سوريا، العراق، تركيا، إيران، بالإضافة إلى أرمينيا) وتعيد الأمور إلى المربع الأول، وبأنه يتوجب عليها إنهاء تمردها والعودة إلى حضن الدولة والمواطنة.

كذلك ارتبطت "الطعنات المزعومة، بكل مفصل ميداني أو سياسي متذبذب تتخذه واشنطن بما لا يناسب أجندات "قسد" المحلية والإقليمية، نتيجة ضيف أفق قادتها، وخشيتهم على مصالحهم ببقاء "قسد" وإستمرار إحتلالها للأراضي السورية، وسرقاتها واستحواذها على الثروات، وهيمنتها على أهالي تلك المناطق، لذلك كانت تُبدي استيائها من واشنطن، وتصف تصريحاتها ومواقفها بـ "الطعنة في الظهر".

ومن خلال الرغبة الأمريكية المعلنة، أراد الرئيس ترامب منح سورية الجديدة فرصة إنهاء الحرب والعودة إلى حالة الاستقرار، وأعلن رغبته بعقد لقاء مباشر بين القيادة السورية وقيادة التنظيم القسدي والتوصل إلى اتفاق، الأمر الذي لم يرق لقيادة التنظيم، وبات هدفهم التعطيل وعرقلة الاتفاق.

وعليه حاولت عرقلة لقاء الوفدين السوري والإسرائيلي في باريس لبحث الاتفاق الأمني، وأرادت إعادة خلط الأوراق، فإستغلت وجودها في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وأرسلت عبر أنفاقها عشرات من مقاتلي حزب العمال الكردستاني والـ PKK، الذين حاولوا زعزعة أمن مدينة حلب والإعتداء على أرواح وممتلكات سكانها البلغ عددهم 4 - 5 ملايين مواطن، وبدأت بالإعتداء على المدنيين بالقنص، والقذائف، واحتجاز المدنيين كدروع بشرية، وبقصف عشرات الأحياء، والمباني الحكومية والمستشفيات، لكن القوات الحكومية تصدت لها، وأجبرتها على الانسحاب، وإخراج مقاتليها وغربائها وإرهابييها وإنتحارييها من الحيين والمدينة، وأعادت الأمن والأمان والمهجرين قسراً إلى بيوتهم بشكلٍ اّمن.

فعلت "قسد" ما فعلت تحت الأنظار الأمريكية والرئيس ترامب، الذي أطلق تصريحاته معلناً رغبته بالوقف الفوري للإعمال العسكرية، والعودة إلى الحوار، لكن "قسد" لم تمتثل رغم هزيمتها العسكرية، وأعلنت أنها "ستقاوم" رافضةً إنسحاب إرهابييها، وقامت بقطع مياه الشرب من مناطقها عن حلب والحلبيين لتعطيشهم، الأمر الذي استدعى غضباً أمريكياً، تُرجم هجوماً بالطائرات الحربية من خلال عملية "عين الصقور" وأعلنت قصفها 35 موقعاً لتنظيم "داعش" بـ 90 قذيفة، في رسالةٍ قوية شديدة الوضوح، أجبرت "قسد" على الإلتزام بالأوامر الأمريكية وبضرورة خروجها مقاتليها من حلب.. الأمر الذي اعتبرته "قسد" طعنةً أمريكية جديدة تضاف إلى الطعنات السابقة، وعجت مواقعها الإلكترونية، وجيوش مرتزقتها بالتهكم وبالشتائم على الولايات المتحدة، وبمحاولات الإعتداء على القواعد العسكرية والمصالح الأمريكية في الجزيرة السورية.

بات استمرار وجود "قسد" على الأراضي السورية مزعجاً وخطيراً على وحدة البلاد، ومسؤولاً عن نشر حالة الكراهية والفوضى، خصوصاً بعد دعوات منابرها لطرد السوريين من العمل في إقليم كردستان العراق ومناطق إحتلالها في سورية، ومن أعمالهم في أوروبا بالتوافق مع المهاجرين ذوي الأصول الكردية.

"قسد" خسرت الكثير بسبب الطفولية السياسية والعسكرية لـ مظلوم عبدي ومن يديره، الذين باتو يتقاذفون الإتهامات ومسؤوليات الهزيمة في حلب، وتسارعت خطاهم لإستجلاب اّلاف العناصر الإرهابية، والأسلحة المتوسطة والثقيلة إلى مناطق دير حافر ومنبج شرقي حلب عبر الأنفاق، استعداداً لمواصلة القتال -بحسب المصادر الرسمية السورية ونفي "قسد"-، على الرغم من إفتضاح أمر ضعفهم وهزالة قدراتهم القتالية وسلوكهم المخادع، ليتأكد فيهم ليتأكد فيهم قول ترامب في 3/6/2020، "لا أحب الكرد لأنهم جبناء".

لا يمكن حل الملف الكردي شديد التعقيد على حساب سورية والسوريين، ولا بد للدول المعنية، وتلك الدول التي خططت وتسببت بخلق هذه المشكلة كـ "قنبلة موقوتة" داخل سورية ودول الجوار، من المشاركة بإيجاد الحلول، وبتحمل مسؤولية مخطط "وعد بلفور الثاني"، الذي سيولد ميتاً ولن تقبل به شعوب ودول المنطقة.

م. ميشال كلاغاصي

12/1/2026