مقالات
"جمهورية الورق.. كيف عرّت حقبة ترامب, العيوب القاتلة في الديمقراطية الأميركية"؟
19 كانون الثاني 2026 , 21:55 م

على مدى أجيال، لُقّن الأميركيون أن ديمقراطيتهم لا تقوم على فضائل القادة، بل على مؤسسات صُمّمت خصيصًا لكبح سلطتهم.

رفض الآباء المؤسسون الألقابَ الملكية، واختاروا بدلًا منها لقبَ "الرئيس"، في إشارة مقصودة إلى دورٍ إداريٍّ مُقيَّدٍ،لا إلى حاكم سيادي.

حذّر جون آدامز بأن الجمهوريةَ ينبغي أن تكونَ "حكومةَ قوانين، لا حكومةَ رجال".

غير أنّه في مطلع العام 2026؛ كشف، مع تجربةِ دونالد ترامب، أنَّ هذا الوعدَ كان مشروطًا، ويستندُ، بدرجةٍ أقل، إلى قوةِ القانون، وبدرجة أكبرَ، إلى ضَبْطِ النفسِ الرئاسي.

وما إن تلاشى هذا الضبطُ، حتى تبيّنَ أنَّ النظامَ، في بِنْيَتِهِ القائمة، عاجزٌ عن حمايةِ نفسِه.

لم يُسقِطِ ترامبُ الديمقراطيةَ الأميركيةَ بالقوّة، بل عرّى الفراغَ الذي كان يتآكلُها منذ زمن. إذ إنَّ الثغراتِ القانونيةًَ وشللَ الكونغرس، وإفلاتَ النُّخَبِ مِنَ المُساءَلةِ لم تكنْ مُجرّدَ أحداثٍ عابرة، هي سماتٌ بِنيَوِيّةٌ راسخةٌ في النظام.

كشفتْ رئاسةُ ترامب أنَّ الأزمةَ لا تُخْتَزَلُ في سوءِ سلوكٍ فَرْدِيّ، هي تتمثّلُ في إخفاقٍ منهجيٍّ عميقٍ يطالُ جوهرَ الحَوْكمةِ الأميركية.

قانونُ التمرّدِ ثغرةٌ تَفتحَ البابَ أمامَ الاحتـ.ـلالِ الداخلِيّ.

يتجلّى الإخفاقُ الأوضحُ، في الصلاحياتِ شِبْهِ المُطْلَقَة، والتي يمنحِها قانونَ التمرُّدِ الصادرِ في العام 1807 لِرئيسِ الجمهورية. هذا التشريع، والذي لم يخضع يومًا لتحديث جوهري، يُتِيحُ لشخصٍ واحدٍ أنْ يُحدِّد َمُنفردًا معنكى "التمرّد"، وأن يأمُرَ بنَشْرِِ القُوَّةِ العسـ..ـكريةِ داخلَ البلاد.

في كانون الثاني/يناير 2026، عقبَ مقـ.ـتلِ رينيه نيكول غود، برصــ.ـاصِ أحدِ عمــ.ـلاءِ وكالةِ إنفاذِ قوانينِ الهِجرةِ والجماركِ (ICE) في مينيابوليس، تجاوز ترامبُ سلطةَ الولايةِ، وهدّدَ بالتدخلِ العسكري، وفقاً لِتقاريرِ PBS News، تعهّدَ بتفعيلِ قانونِ التمرُّدِ، لِوَضْعِ حدٍّ لِلِاحتجاجات، متعاملًا فعليًامع المدنِ الأميركيةِ كأنَّها أراضٍ مُحتـ.ـلّة.

كان التهديدُ وحدَهُ كافِياً لِتثبيطِ المعارضة، وكانت الرسالةُ واضحةً لا لُبْسَ فيها: إنَّ حقَّ التجمُّعِ قائمٌ، طالما يسمحُ به الرئيس.

لم يكن هذا فشلاً في التنفيذ، بل فشلاً في التصميم.

فالنظامُ الذي يسمحُ لِشخصٍ واحدٍ بِتَسـلِيـحِ الحكمِ الداخلِيّ، يدعو، بِما لا شكَّ فيه، إلى حكمٍ تسلُّطِي.

*احتجاجٌ في الخارجِ، وإرهــابٌ في الداخل.

كشفتْ نظرةُ ترامب الانتقائية، لِلمُعارضةِ، نِفاقَ النظامِ، فبينما كان يمدَحُ المُتظاهرين المناهضين للحكومةِ في إيران، وصفتْ إدارتُهُ المتظـاهرين الأميرِكيين بأنهم إرهـابيون.

بعد مقــتل رينيه غود، سوَّغت وزيرةُ الأمنِ الداخليّ كريستي نوِيم إطلاقَ النارِ بتصنيفِ الضحيةِ "إرهابية محلية"، وفقاً لتقاريرِ PBS News.

هذا التمييزُالمزدوجُ كانَ سياسةً، وليسَ مُجَرَّدَ خِطاب، فالتظاهرُ يُعَدُّ دِيمُقراطِياً، وعندما يضعُفُ، خصوماً خارجيين، ويصبحُ جريمةً عِندما يَتَحدَّى السلطةَ الفيدراليةَ في الداخل، وعندَ سيطرةِ الجهازِ التنفيذيّ على إنفاذِ القانونِ والجيش، تُصبحُ الحماياتُ الدستوريةُ غيرَ قابلةٍ للتطبيق.

*الانتقام قانون جديد.

ما يثيرُ الانتباهَ أيضاً، هو مدى سهولةِ تحويلِ "وزارةِ العدلِ" إلى أداةٍ لِلْحُكْمِ الشَّخصِيّ، فقد أفادتْ وكالةُ "رويترز" أنَّهُ بحلولِ أواخرِ العامِ 2025، كانت إدارةُ ترامب قدِ اِستَهـ.دفتْ أكثرَ مِنْ 470فردًا ومؤسسة، فيماوصَفَتْهُ علناً، بأنَّهُ حملةٌ اِنْتِقامِيّةٌ واضحة.

ضَمِنَ ترامبُ أنْ يَحُلَّ الحكمُ الشخصِيُّ محلَّ المعايِيرِ القانونيةِ، بِتَعيِينِ المُوالِينَ لَهُ، مثلِ أَلينا حبا، في مناصِبَ قضائيةٍ مِحْوَرِيَّة.

ووفقاً لِتقاريرِ "ذا غارديان"، في كانونَ الثاني/يناير 2026، فإنَّ رَفْضَهُ لِلقيودِ القانونيةِ، لِمصلحةِ "عقلِهِ الخاص"، لم يكنْ مُجَرَّدَ خطاب، لقد أصبحَ عقيدةًرسمية. حتى عندما باءَتِ المُلاحقاتُ القضائيةُبالفشل،كانت إجراءاتُها نفسُها تفرِضُ العِقابَ، من دمارٍ ماليٍّ وتــرهيـ.ـبٍ وردع، لِيُصبٍحَ القانونُ تابعًاتمامًالمايراهُ الرئيسُ أخلاقيًا.

*استسلام الكونغرس.

يكمنُ الفشلُ الأعمقُ في الكونغرِس، وهو الفرعُ المُخَصَّصُ لِضَبْطِ سُلْطَةِ التَّنفيذ. لم يفقدِ الكونغرس سُلْطَتَه، لقدْ قدَّمَها طَواعِيَة. فالمالُ، وليس الواجبُ الدُّستورِيُّ، صارَ المعيارَ الذي يُحَدِّدُ سلوكَ المُشَرِّعِين.

ويتجلى هذا بوضوحٍ، في نفوذِ مُنَظَّمَةِ أَيْبّاك وصُندوقِها السياسيِّ الضخم: مشروع الديمقراطيةِ الموحّد. وفقًا لتقارير ِ"الجزيرةِ"و"ذا غارديان"، ضُخُّ أكثرَ مِنْ 100 مليون دولار في سباقاتِ الكونغرِس، لِضمانِ الامتثال. وعندما يتجاوزُ ترامبُ الكونغرِسَ، لإرسالِ ملياراتِ الدولاراتِ مِنَ الأسـ.ـلحةِ إلى "إســـ.ـرائـ.ـيـل"، أولِلقِيام بعملٍ عسـكريٍّ، من دونِ إعلانِ حــرب، يظلُّ النُّوّابُ صامِتينَ، خوفًا مِنْ مواجهةِ تحدِّياتٍ انتخابيةٍ أوَّلِيَّةٍ مُمَوَّلَةٍ جَيِّدًا.

في هذا المُناخِ،أصبحتِ الضوابطُ والتوازُناتُ مُجَرّدَ مراسِمَ شكلِيَّة.

*الفراغ الأخلاقيّ في السلطة.

الدليلُ الأخيرُ على الفشلِ هو التمييزُ المؤسَّسِيِّ المُزْدَوج، في ما يَخُصُّ الثِّقَة.

إذْ إنَّ الموظفَ العادي في مُنشأةٍ نوويةٍ يخضعُ لفحصٍ نفسيٍّ صارم، في حين أنَّ الشخصَ الذي يمتَلِكُ سُلطةَ إطلاقِ الأسـ.ـلحةِ النوويةِ لا يخضعُ لِأَيِّ فحص.

وكما أشارَ مركزُ برينان لِلْعدالَة، يعتمدُ النظامُ بالكاملِ على "شرفِ" صاحبِ المَنْصٍب، وهو افتراضٌ هشٌّ يراهُ ترامبُ نُقطةَ ضَعف.

*ترامبُ دليلٌ وليسَ استثناءً.

لم يُدمِّرِ ترامبُ الديمقراطيةَ الأميركية، بل أثبتَ أنَّها لم تَعُدْ تعملُ كما يُفترَض. إذْ إنَّ النِظامِ الذي يسمحُ لِلرَّئيسِِ بِقَمْعِ الاحتجاجاتِ والتهديدٍ بِالاحتِلالِ العسـكرِيِّ ومُقاضاةِ المُنْتَقِدينَ، وجَنْيِ الثَّرَواتِ من المَنْصِب، وإعلانِ التِزامِهِ بأخلاقِهِ الخاصَّةِ فحسْبُ،في حينٍ يَظلُّ الكونغرِس صامِتًا، وهذهِ ليستْ ديمقراطيةً فاعلة،إنَّهاديمقراطيةٌ على الورقِ وسُلطةٌ استبداديةٌ على أرضِ الواقع.

كان المؤسِّسونَ يخشونَ الملك، أما ما كشَفَهُ ترامب، فهو أمرٌ أكثرُ خطورةً:رئاسةٌقانونيةٌ بصلاحياتٍ شبيهةٍ بصلاحياتِ المَلِك،محميةٍ بالثُّغراتِ القانونيةِ، وكونغرِسٍ مموِّلٍ ومرتَهَن، لم يَعُدِ الفَشَلُ نظريًا؛ فقد جرى اختبارُهُ وفَشِل.