ابو عمر ( فكرة )… كيف تصنع المصادر المجهولة وقائع السياسة !؟
مقالات
ابو عمر ( فكرة )… كيف تصنع المصادر المجهولة وقائع السياسة !؟
عباس المعلم
20 كانون الثاني 2026 , 16:57 م


حالة «الأمير الوهمي» أبو عمر ليست استثناءً عابرًا ولا تفصيلاً طريفًا في مشهد إعلامي مضطرب، بل هي نموذج كاشف، بل فاضح، لآلية أوسع وأشدّ خطورة في إنتاج الأخبار والمواقف في عالمنا السياسي، وخصوصًا في لبنان. فكم من «مصدر مسؤول»، أو «قيادي رفيع»، أو «مطلع على كواليس القرار»، يطلّ عبر وسائل الإعلام منسوبًا إلى حزب هنا أو جهة هناك، سياسية كانت أو أمنية أو حتى رئاسية، فيما هو في الحقيقة إما شخصية مُختلقة بالكامل، أو فرد بلا صفة محدّدة، ولا موقع فعلي، ولا وصول حقيقي إلى دوائر القرار، لكنه يتحدث بلهجة من يملك القرار ويصوغ الاتجاه.

ولا تكمن الخطورة في اختلاق هذه المصادر بحدّ ذاته، بقدر ما تكمن في المسار المتدرّج والمنهجي الذي تسلكه «المعلومات» التي تضخّها. تُنقل «الأجواء»، وتُسرَّب «المواقف»، وتُقدَّم «المعطيات» في صيغة حقائق شبه منجزة، فتتلقفها وسائل الإعلام تحت ضغط السبق، أو الاصطفاف، أو التواطؤ الصامت. ثم تأتي مرحلة التحليل، حيث يُبنى على هذه المعطيات خطاب سياسي كامل، وتُستنبط منها استنتاجات وخيارات، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى سرديات مستقرة في الوعي العام. وعند هذه المرحلة، لا تعود المسألة مسألة خبر صحيح أو خاطئ، بل واقع مُصنَّع يُتداول بوصفه حقيقة قائمة بذاتها.

الأخطر من ذلك أن نفي هذه الروايات من قبل المصدر الحقيقي، إن وُجد أو إن قرر الكلام، يصبح مهمة شبه مستحيلة. فالتكذيب يأتي متأخرًا، ضعيف الأثر، في مواجهة رواية سبق أن استُهلكت جماهيريًا، وأُعيد إنتاجها إعلاميًا، واستُثمرت سياسيًا، كلٌّ بحسب موقعه وحساباته. وهكذا، تتحول الأكاذيب المتداولة إلى «حقائق» سياسية واجتماعية، لا لأن أحدًا دقّق فيها أو تحقّق من صدقيتها، بل لأن الجميع تصرّف على أساس صحتها، وبنى عليها مواقف وسلوكيات واصطفافات.

وفي الحالة اللبنانية، تتضاعف خطورة هذه الظاهرة بفعل الفراغ السياسي البنيوي، الذي لم يعد محصورًا في بالدولة ، بل داخل مؤسساتها، والتجاذبات حول أدوارها، وتفكك مرجعيات القرار فيها. ويقابل هذا الفراغ الرسمي فراغٌ موازٍ داخل بعض المكوّنات الحزبية والسياسية، حيث يختلط القرار بالتقدير، والموقف بالتسريب، والقيادة بالصوت الأعلى لا بالصفة التنظيمية الواضحة. في هذا الفراغ المتداخل، يجد «المصدر الوهمي» بيئة مثالية للتمدّد، لأنه لا يزاحم سلطة واضحة، بل يحلّ مكان غيابها.

ولم تعد الظاهرة محصورة بالدولة ومراجعها، بل امتدت إلى الأحزاب والقوى السياسية ذاتها، حيث بات بعض الإعلاميين والمحللين يتحدثون باسمها، ويستبقون خياراتها، ويصوغون سرديات تُنسب إليها في السياسة والأمن وسواهما، من دون تفويض، ولا صفة، ولا اطلاع فعلي. وغالبًا ما تكون هذه السرديات نتاج مصادر وهمية، أو قراءات مبتورة، أو تضخيم متعمّد، أو تحريف انتقائي، لكنها سرعان ما تُلتقط داخل البيئات الحزبية نفسها، ويتعامل معها جمهور هذه القوى على أنها مواقف محسومة وحقائق نهائية، لا تقبل النقاش أو المراجعة.

عند هذه النقطة، لا يعود الخلل إعلاميًا فحسب، بل سياسيًا وتنظيميًا في الجوهر. إذ تتحول الأحزاب من جهات تُنتج الموقف إلى كيانات تلاحق ما يُقال باسمها، وتتكيّف مع روايات لم تصدر عنها، لكنها تجد نفسها أسيرة لها تحت ضغط جمهور صدّقها، وإعلام رسّخها، وتحليل أعطاها شرعية زائفة. وهكذا، تُدار السياسة على أساس ما يُشاع لا ما يُقرَّر، وما يُتداول لا ما يُعلن، فيختلط الوهم بالحقيقة، والتقدير بالقرار، والتحليل بالفعل السياسي.

والخلاصة الأشدّ وطأة أن هذا المسار لا يفرّغ الدولة من معناها فحسب، بل يفرّغ العمل الحزبي والسياسي نفسه من مضمونه. فعندما تصبح السرديات الوهمية بديلاً عن الموقف، والتسريب بديلاً عن القرار، والتضخيم بديلاً عن المسؤولية، لا تعود الحقيقة هي المرجع، بل المزاج العام المصنوع. وعندها، لا يكون الوهم عارضًا في الحياة السياسية، بل يتحول إلى أحد أدواتها المركزية، ويغدو الخيال المُضخَّم أكثر حضورًا وتأثيرًا من الوقائع، وأكثر نفاذًا من أي قرار فعلي..

عباس المعلم - كاتب سياسي