تلعب الدوافع دورا محوريا في تحديد كيفية معالجة الدماغ للمعلومات وتخزينها. فبحسب دراسة حديثة في مجال علم النفس العصبي، لا تعمل الذاكرة بطريقة واحدة ثابتة، بل تنتقل بين أنماط مختلفة تبعا لنوع الدافع المسيطر على الإنسان في لحظة معينة.
وتوضح الدراسة أن الفضول يعزز دمج المعرفة وبناء الفهم الشامل، بينما يؤدي الإحساس بالاستعجال إلى زيادة التركيز على التفاصيل وتسريع اتخاذ القرارات، ما ينعكس مباشرة على الأداء اليومي.
دراسة تكشف العلاقة بين الدافعية والذاكرة
أجرى باحثون من كلية يونغ لو لين للطب في جامعة سنغافورة الوطنية وجامعة ديوك الأمريكية دراسة شاملة توضح كيف تغيّر أنواع الدوافع المختلفة آليات الذاكرة في الدماغ.
ونُشرت نتائج البحث في مجلة Annual Review of Psychology، حيث عُرّفت الدافعية ليس بوصفها مجرد جهد أو رغبة، بل على أنها حالة ذهنية تنشط أنظمة عصبية محددة وتؤثر بشكل متوقع في نوع المعلومات التي يتم تذكرها.
نمطان رئيسيان للدافعية والذاكرة
تقترح الدراسة نموذجا يميز بين حالتين أساسيتين للدافعية، لكل منهما تأثير مختلف في الذاكرة:
1. الحالة التكيفية الاستكشافية (الفضول)
هذه الحالة مدعومة بهرمون الدوبامين، وتساعد الدماغ على:
بناء ذكريات مترابطة
دمج المعلومات الجديدة مع الخبرات السابقة
تكوين مخططات معرفية مجردة
تطوير مهارات طويلة الأمد
2. الحالة الموجّهة الهادفة (الاستعجال)
تخضع هذه الحالة لتنظيم النورأدرينالين، وتتميز بـ:
تعزيز الانتباه للتفاصيل المهمة
تسريع معالجة المعلومات
توجيه السلوك نحو هدف محدد
تقليص التركيز على السياق العام لصالح عناصر محددة
ما الذي يحدث داخل الدماغ؟
في حالة الفضول وعدم اليقين، ينشط الدماغ مناطق مثل:
المنطقة السقيفية البطنية
الحُصين
القشرة الجبهية الأمامية
وتؤدي هذه الشبكة إلى تكوين ذاكرة مترابطة وقدرة أفضل على التعلم العميق.
أما في حالات الضغط أو التهديد أو وجود هدف عاجل، فينشط:
النواة الزرقاء
القشرة الحسية
وهو ما يعزز التركيز الحاد، لكنه قد يحد من القدرة على رؤية الصورة الكاملة.
لماذا يغيّر هذا النموذج فهمنا للدافعية؟
تُظهر هذه النتائج أن السؤال لم يعد: هل تساعدنا الدافعية على التعلم؟
بل أصبح: أي نوع من الذاكرة يتم بناؤه تحت تأثير نوع معين من الدوافع؟
ويمثل هذا التحول في الفهم خطوة مهمة في دراسة كيفية تحسين التعلم والانتباه بطرق علمية دقيقة.
تطبيقات مستقبلية في العلاج والتعليم
يفتح هذا النموذج آفاقًا واسعة في:
علاج الاكتئاب
التعامل مع الخرف
فهم اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD)
تحسين اضطرابات الذاكرة والانتباه
كما يمكن أن يسهم في تطوير برامج تعليمية تكيفية وتقنيات التغذية الراجعة العصبية التي تنظّم نشاط الدوبامين والنورأدرينالين لتحسين الأداء الذهني.