لماذا يبدو القمر أكبر حجما عند الأفق؟ تفسير علمي لواحدة من أقدم الخدع البصرية
منوعات
لماذا يبدو القمر أكبر حجما عند الأفق؟ تفسير علمي لواحدة من أقدم الخدع البصرية
26 كانون الثاني 2026 , 22:57 م

عندما يطل القمر المكتمل فوق الأفق مباشرة، يبدو أكبر حجما بشكل لافت مقارنة بمظهره عندما يكون عاليا في السماء. هذه الظاهرة تثير الفضول، خاصة أن القمر في هذه اللحظة يكون في الواقع أبعد مسافة عن الأرض مقارنة بوجوده فوق رؤوسنا مباشرة، مما يعني أنه يجب أن يبدو أصغر لا أكبر.

القمر عند الأفق: أبعد لكنه يبدو أكبر

توضح سوزانا كوهلر، عالمة الفلك والمتحدثة باسم الجمعية الفلكية الأمريكية، أن القمر عند الأفق يكون أبعد بمقدار نصف قطر الأرض تقريبا مقارنة بوضعه عند نقطة الذروة في السماء.

ورغم هذا البعد الإضافي، فإن أعيننا ترى القمر أكبر حجما، وهو ما يتناقض مع الحقائق الفيزيائية البسيطة، ويدفع العلماء إلى البحث في تفسير هذه الظاهرة.

ما هو وهم القمر؟

تعرف هذه الظاهرة باسم « وهم القمر »، وهي خدعة بصرية حيّرت البشر منذ آلاف السنين.

في الماضي، أرجع فلاسفة مثل أرسطو هذه الظاهرة إلى:

تأثير الضباب

انكسار الضوء في الغلاف الجوي

لكن الصور الحديثة أثبتت أن الانكسار الجوي لا يكبر القمر، بل يجعله يبدو مفلطحا قليلا عند الأفق، مما ينفي هذه التفسيرات القديمة.

الدماغ هو السبب الحقيقي

يرجّح العلماء اليوم أن وهم القمر ناتج عن طريقة عمل الدماغ البشري في تفسير الحجم والمسافة، وليس عن تغير حقيقي في حجم القمر.

ويقول بارت بورغهيس، عالم الأعصاب في جامعة لويفيل، إن الظاهرة تحدث أثناء قيام الدماغ ببناء إدراكنا البصري، وليس أثناء استقبال العين للصورة نفسها.

كيف يقدّر الدماغ حجم الأشياء؟

وفقا لعلم الإدراك البصري، فإن تقدير الحجم يتم عبر مرحلتين:

تسجيل حجم الجسم على شبكية العين

تقدير حجمه الفعلي اعتمادا على المسافة المتصوَّرة

ويُعرف هذا المبدأ باسم قانون إيمرت (Emmert’s Law).

دور الأفق والعناصر المحيطة

عندما يكون القمر قريبا من الأفق، يظهر بجانب:

الأشجار

المباني

الجبال

مما يجعل الدماغ يقارنه بأجسام أرضية صغيرة نسبيا، فيفسره على أنه أكبر حجما.

ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن القمر يبدو كبيرا حتى فوق مسطحات خالية من التفاصيل مثل المحيطات، ما يدل على أن العامل البصري وحده لا يكفي لتفسير الظاهرة.

الدليل العلمي الأقوى

تشير دراسة نُشرت في مجلة Science عام 1962 إلى أن:

القمر عند الأفق يُدرك على أنه أبعد بسبب وجود معالم أرضية

وعندما يبدو أبعد، يفسره الدماغ على أنه أكبر حجما

وعندما يُعرض القمر بدون خلفية أو معالم تشير إلى المسافة، يختفي هذا الوهم البصري تقريبا.

السماء كقبة مسطّحة في عقولنا

توضح كوهلر أن معظم البشر يتصورون السماء وكأنها قبة مفلطحة وليست نصف كرة حقيقية.

وبناءً على هذا التصور:

نعتقد أن الأجسام عند الأفق أبعد

فيُفسَّر الحجم نفسه على أنه أكبر

وهذا مشابه لما يُعرف بـ وهم بونزو البصري، حيث تبدو خطوط متساوية الطول مختلفة الحجم بسبب المنظور.

تجربة بسيطة يمكنك إجراؤها بنفسك

يمكن ملاحظة هذا النوع من الخداع البصري عبر تجربة منزلية بسيطة:

حدّق في جسم مضيء لبضع ثوانٍ

ثم انظر إلى جدار بعيد، ثم إلى جدار أقرب

ستلاحظ أن البقعة الظاهرة يتغير حجمها رغم ثباتها فعليا

وهي تجربة توضح كيف يربط الدماغ الحجم بالمسافة.

لماذا يستمر الوهم رغم معرفتنا به؟

حتى عندما نكون على دراية بوجود هذا الخداع البصري، لا يختفي تأثيره.

فالدماغ يستمر في استخدام الآليات نفسها لتقدير الحجم، بغض النظر عن معرفتنا العلمية بالظاهرة.

يبدو القمر أكبر عند الأفق ليس لأنه يتغير فعليا، بل لأن الدماغ البشري يسيء تفسير المسافة والحجم.

ويمثل «وهم القمر» مثالا واضحا على حدود الإدراك البشري، ويجمع بين علم الفلك وعلم الأعصاب في تفسير واحد.


المصدر: مجلة Live Science