بقلم ( عباس المعلم )
الإدارة الأميركية كيان براغماتي بارد، يتحرك بعقل الحساب لا بعاطفة القيم، ولهذا فإن تعاملها مع موقف قائد الجيش العماد رودولف هيكل لن يخرج عن هذا الإطار النفعي الصرف. رفضُه طلب السيناتور ليندسي غراهام تصنيف حزب الله منظمة إرهابية قد لا يروق لواشنطن، وقد يزعج دوائرها، وقد يستفز مزاجها السياسي، لكنها لن تصطدم به ولن تقطع علاقتها مع المؤسسة العسكرية،
لأن البراغماتية الأميركية لا تعرف الانتحار السياسي، ولا تمارس حماقات القطيعة حين لا تملك بدائل. قد لا يعجبهم تاريخه الوطني، ولا منطقه الذي يقدّس السلم الأهلي كقيمة عليا غير قابلة للمساومة، ولا عقليته التي تضع الاستقرار فوق مزاج السفارات، لكنهم مضطرون للتعامل معه ومع الجيش، لأن الجيش ليس تفصيلاً يمكن شطبه، ولا أداة يمكن استبدالها، ولا ورقة يمكن حرقها على طاولة العبث الإقليمي.
المشكلة الحقيقية لن تكون هنا، ولن تكون بين واشنطن وقيادة الجيش، ولا بين الإدارة الأميركية والمؤسسة العسكرية، بل ستتفجّر في الداخل اللبناني، حيث تتربص قوى تمتهن العهر السياسي والأخلاقي بوصفه مهنة دائمة لا طارئة، وتعيش على الارتزاق، وتتنفس من رئات السفارات، وتقتات على فُتات الخارج، وتعتبر التخوين وظيفة يومية، والافتراء رسالة، والتحريض عقيدة.
هذه القوى نفسها ستتولى مهمة الهجوم على قائد الجيش ، ربما لا بأمر أميركي ولا بطلب رسمي ولا بتوجيه مباشر، بل بمبادرة ذاتية ملوّثة، لأن الارتزاق عندها ليس استجابة لأوامر بل غريزة، والعمالة ليست تكليفًا بل هوية، والتبعية ليست خيارًا بل تكوينًا نفسيًا وسياسيًا متجذرًا.
قمة الانحطاط أن الإدارة الأميركية نفسها لن تطلب منهم شيئًا، لكنهم سيقومون بكل شيء، وسينفذون أكثر مما يُطلب، وسيذهبون أبعد مما يُتوقع، وسيستبقون الرغبات قبل صدورها، ويسارعون إلى الطعن قبل الاتهام، ويحوّلون الخيانة إلى سباق، والنفاق إلى بطولة، والارتهان إلى شرف زائف.
هؤلاء لا ينتظرون أوامر الخارج بل يتطوعون للعبودية، لا يُستدعون للخدمة بل يهرعون إليها، لا يُكلَّفون بالهجوم بل يصنعونه ويضخّمونه ويجمّلونه ويسوّقونه بوصفه “موقفًا سياديًا”.
هنا تكمن الفضيحة الحقيقية ليس في موقف واشنطن ولا في حساباتها ولا في براغماتيتها، بل في هذا المستنقع الداخلي الذي يتقن تحويل كل موقف وطني إلى جريمة، وكل قائد مؤسسة إلى هدف، وكل توازن إلى خيانة، وكل سيادة إلى تهمة، حيث يُدار الهجوم بوصفه فضيلة، والارتهان بوصفه موقفًا، والانبطاح بوصفه سياسة.
عباس المعلم - كاتب سياسي