ما صدر ليس مجرّد قرار مالي، بل إعلان صريح بإفلاسٍ أخلاقي وسياسي قبل أن يكون إفلاسًا اقتصاديًا. في وطنٍ تُسحق فيه الليرة يوميًا تحت أقدام المضاربين، وتتبخّر فيه ودائع الناس كما لو كانت سرابًا، ويقبع أكثر من 80% من شعبه تحت خط الفقر، وتنهش البطالة ما يفوق 30% من طاقته الشابة، تجرؤ الحكومة على مدّ يدها مجددًا إلى جيوب المواطنين لتسدّ عجزها المزمن. أي وقاحةٍ هذه؟ وأي استخفافٍ بعقول الناس وكراماتهم؟
لبنان اليوم ليس دولةً متعثّرة فحسب، بل كيانًا منهكًا تُدار شؤونه بعقلية الجباية لا بعقلية البناء. اقتصاد بلا نمو، بلا صناعة حقيقية، بلا زراعة حديثة، بلا رؤية إنتاجية. قطاع مصرفي منهار، تضخّم يلتهم الرواتب كما تلتهم النار الهشيم، كهرباء مقطوعة، بنى تحتية متداعية، طرقات محفّرة، واتصالات بالكاد تصمد. ومع ذلك، بدل أن تُعلن السلطة خطة إنقاذ شاملة تضرب الفساد في عقر داره، خرجت بقرارٍ يزيد الجرح نزفًا: رفع ضريبة القيمة المضافة 1%، وزيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين.
إنها سياسة عقابية بحق شعبٍ لم يعد يملك ما يُقتطع منه. الضرائب غير المباشرة ليست سوى سيفٍ أعمى يضرب الفقير قبل الغني، ويُشعل الأسعار في كل زاوية من زوايا السوق. البنزين ليس سلعةً كمالية؛ إنه عصب النقل والإنتاج والتوزيع. وكل زيادة عليه هي سلسلة زيادات على الغذاء والدواء والتعليم والخدمات. أما رفع الـTVA، فهو إعلان رسمي بأن الدولة قررت تمويل نفسها من موائد الجائعين.
يقولون إن الهدف هو رفع رواتب القطاع العام والمتقاعدين بنسبة تصل إلى 50%، بكلفة تقدَّر بنحو 800 مليون دولار، لإعادة شيء من القيمة التي تبخّرت. لكن أي منطقٍ اقتصادي يسمح بتمويل زيادةٍ عبر ضرائب تُشعل تضخمًا جديدًا يلتهم هذه الزيادة نفسها؟ إنها عملية حسابية عبثية: تعطي باليمين لتستردّ بالشمال، وتترك المواطن في الدوامة ذاتها. لا الموظف سيشعر بتحسّنٍ فعلي، ولا الفقير سينجو من موجة الغلاء المقبلة.
الأخطر من الأرقام هو المنهج: منهج الهروب إلى أسهل الحلول وأكثرها ظلمًا. لا إصلاح حقيقي للقطاع العام، لا ضبط للهدر، لا استرداد للأموال المنهوبة، لا مكافحة جدية للتهرّب الضريبي، لا إعادة هيكلة عادلة للنظام المالي. فقط قرار سريع بتحميل الناس الكلفة، وكأن الشعب هو الخزنة الوحيدة المتبقية بعد أن نُهبت الخزائن الأخرى.
هذه ليست إدارة أزمة؛ هذا تعميقٌ للأزمة. ليست سياسة مالية؛ إنها جباية بلا عدالة. وليست معالجة للعجز؛ إنها توسيعٌ للهوة بين سلطةٍ معزولة وشارعٍ يغلي.
إن الاستمرار في هذا النهج هو لعبٌ بالنار. فالمجتمعات قد تصبر على الفقر إذا رأت أفقًا، وقد تتحمّل الألم إذا شعرت بالعدالة. لكن حين يغيب الأفق وتُداس العدالة، يتحوّل الصبر إلى غضب، والغضب إلى طاقةٍ لا يمكن لأحدٍ ضبط مسارها. التحذير هنا ليس تهويلًا، بل قراءة باردة لواقعٍ ساخن: سياسات تستفزّ الناس في لقمة عيشهم، وتختبر حدود احتمالهم.
على الحكومة أن تدرك أن الشرعية لا تُصان بالقرارات الفوقية، ولا تُرمَّم بالضرائب، بل تُبنى بالثقة. والثقة اليوم تتآكل أسرع من العملة. وإذا استمر هذا النهج القائم على تحميل الشعب تبعات الفشل المتراكم، فإن الشارع لن يبقى متفرّجًا طويلًا. فحين تُغلق كل أبواب العدالة الاقتصادية، يُفتح بابٌ آخر… باب لا يمكن التكهن بكيفية اندفاعه ولا بحدود ارتداداته.
عباس المعلم - كاتب سياسي