بقلم ( عباس المعلم )
عام مضى على انطفاء قنديلٍ كنّا نحسبه من زيت الأزل،على انحناءةِ السماء وهي تُسلِّم سرّها إلى التراب.
في ذلك النهار، حين شيّعنا " السيد حسن " ..لم نكن نمشي خلف نعشٍ،
بل كنّا نمشي خلف أعمارنا وهي تُساق إلى امتحانها الأخير ،،كنّا نرى تاريخنا ممدّدًا على الأكتاف،وحاضرنا مكفّنًا بالصمت،ومستقبلنا يلوّح من وراء الدموع كطفلٍ أضاع الطريق إلى أبيه.
عامٌ مضى…
ولا نقول إنّا حزنّا فقط،ولا إنّا قُهِرنا أو أنّا أنَنّا كما يئنّ العابرون.بل وقفنا أمام مرايانا مذعورين! كيف تجرّأنا أن نرى أرواحنا في نعش؟كيف احتملنا ثقل اللحظة ولم تنخلع قلوبنا من صدورنا؟
كيف أصبح اليوم التالي يومًا عاديًا،
وكأنّ القيامة مرّت من هنا ولم تترك إلا غبارًا خفيفًا على الذاكرة؟
يا لقسوة قلوبنا…
كيف استطاعت أن تنجو من ذلك الثقل؟ويا لوقاحة نفوسنا…
كيف تجرّأت أن تُؤجّل الفجيعة إلى ذكرى،والخبر ما يزال طازجًا كجرحٍ يتّسع كلّما لامسته الأيام؟
إنّ النعش لم يُوارَ تحت التراب،
بل وُوري في صدورنا،
وثقله يزداد كلّ لحظة غياب،
كأنّ الجبال تُزاد جبلًا،
وكأنّ الأرض كلّها صارت كربلاء أخرى،
تنتظر منّا أن نفهم معنى الفقد قبل أن نفهم معنى البقاء.
صوته…
لا يزال يطرق مسامعنا كآيةٍ لم تُختَم،
يتعبنا، ينهكنا، يوقظ فينا ما كنّا نظنّه نام إلى الأبد،نحاول أن نتجاوزه فلا نتجاوزه،ونحاول أن نعترف بالغياب فلا نستطيع،لأنّ حضوره أقوى من الغياب،
ولأنّ الغياب إذا كان بهذا الحضور، صار نوعًا آخر من الشهادة.
أيّ يُتمٍ هذا الذي أُلقينا فيه؟
لسنا أيتامًا على سنن البشر،
فنحن لم نفقد أبًا فقط،
بل فقدنا ظِلًّا كان يعلّم الشمس كيف تشرق في وجوهنا.صرنا أيتام فكرة،أيتام وعدٍ،أيتام صوتٍ كان إذا تكلّم انتظم خوفنا وتراجع ارتباكنا إلى حدوده الدنيا، وهل نحزن على غيابه الجسدي؟أم أنّ في صدورنا عتبًا خفيًّا عليه ، لا منه ..لأنّه مضى وتركنا معلّقين بطيفه،كأنّه سلّمنا الأمانة وانسحب إلى مقعد الغيب،وقال لنا بصمته..“كونوا أنتم الامتداد، إن كنتم صادقين.”
عامٌ مضى،
وما زلنا نُشيّعه كلّ يوم،في كلّ موقفٍ نُختبر فيه،في كلّ خوفٍ يحاول أن يستوطننا،في كلّ لحظةٍ نكاد نساوم فيها على شيءٍ من كرامتنا.
لعلّ الفجيعة ليست أنّه غاب،
بل أنّ علينا أن نحيا بما تركه فينا.
أن نصير نحن بما استطعنا
صوتًا لا يهادن،وظلًّا لا يزول،
وقلبًا إذا ذُكر الدم تذكّر العهد،
وإذا ذُكر الغياب استحضر الحضور.
عامٌ مضى…
وما زالت الشمس، حين تغرب،
تذكّرنا أنّ بعض الشموس لا تُدفن،
بل تتحوّل إلى قبلةٍ في الضمائر،
وإلى امتحانٍ مفتوحٍ على اتّساع العمر.
عباس المعلم - كاتب سياسي