بقلم ( عباس المعلم )
منذ اللحظة الأولى التي وقف فيها يوسف رجي على منبر مجلس حقوق الإنسان كان يفترض أن يكون صوته امتدادًا لوجع اللبنانيين، ومرآةً لسيادةٍ تُنتهك يوميًا، وصرخةً باسم الأسرى والمعتقلين والقرى المحروقة والبيوت المهدّمة على الحدود. لكنه اختار، بوعيٍ فاضح، أن يكون شيئًا آخر… أي شيءٍ آخر، إلا وزيرًا لخارجية لبنان.
المنصب ليس لقبًا بروتوكوليًا يُعلّق على الصدر، بل هو موقع سيادي يُفترض أن يُجسّد الإرادة الوطنية ويعكس ثوابت الدولة في الدفاع عن أرضها وشعبها. غير أنّ الوزارة في عهده انزلقت من كونها ذراعًا ديبلوماسية للدولة اللبنانية إلى منصة تبريرٍ مسبق لاعتداءات العدو، وإلى غرفة إنذار مبكر باسم من يفترض أن يُدانوا لا أن يُحذَّروا.
تحدّث الرجل عن “مؤشرات بأن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار”. أي منطقٍ هذا؟ وأي خطابٍ هذا الذي ينقل تهديدات العدو إلى العالم بوصفها أمرًا واقعًا، بدل أن يفضح عدوانيته ويطالب بمحاسبته على جرائمه القائمة أصلًا؟
لم يأتِ على ذكر الأسرى في سجون الاحتلال، ولا على معاناتهم ومصيرهم المجهول خلف القضبان. لم يشر إلى العدوان اليومي، ولا إلى انتهاك السيادة اللبنانية، ولا إلى تجريف الأراضي وحرق المزروعات وتفجير منازل القرى الحدودية. صمتٌ مطبق حيث يجب أن يكون الصوت صاعقًا، وبلاغةٌ باردة حيث ينبغي أن تكون الكلمات مشتعلة.
ثم يمضي في مسعاه قائلاً إن لبنان يقوم “بمساعٍ دبلوماسية للمطالبة بعدم استهداف البنى التحتية المدنية اللبنانية حتى في حال حصول ردّات فعل أو عمليات انتقامية”. أي انقلابٍ في المعايير هذا؟ كأنّ استهداف البنى التحتية أمرٌ مفهوم ضمنيًا، وكأن المطلوب فقط تخفيف حدّته لا ردعه أو إدانته. الخطاب هنا لا يواجه العدوان، بل يتكيّف معه، ولا يضع خطوطًا حمراء للعدو، بل يرسم حدودًا لسلوك اللبنانيين أنفسهم.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين “يتمنى أن يمتنع حزب الله عن الدخول في أي مغامرة جديدة، وأن يُجنّب لبنان دمارًا إضافيًا”. بدل أن يُحذّر العدو من الاستمرار بعدوانه، يحذّر طرفًا لبنانيًا من الردّ عليه. بدل أن يرفع سقف السيادة، يخفضه إلى مستوى التوسّل الدبلوماسي. وبدل أن يُخاطب المجتمع الدولي بلغة الحقّ، يخاطبه بلغة الخشية والاعتذار المسبق.
الأخطر من كل ذلك، أنّه أطلق تهديدات باسم العدو على بلده وعلى مرافق الدولة التي يُفترض أنه يمثلها، في وقتٍ نفى فيه العدو نفسه نيّة استهداف مرافق ومؤسسات الدولة. أي عبثٍ هذا الذي يجعل ممثل لبنان أكثر تشددًا في نقل التهديد من مصدره ذاته؟ وأي انحدارٍ سياسي يُحوّل وزير الخارجية إلى ناقل رسائل تخويف، لا حامل رسائل سيادة؟
وزارة الخارجية ليست مكتب علاقات عامة لإدارة المخاطر، بل رأس حربة في معركة الشرعية الدولية. ومجلس حقوق الإنسان ليس منصةً لإعادة تدوير رواية المعتدي، بل مساحة لمساءلته. حين يُختزل الدور السيادي إلى تمنيات، وحين يُستبدل الاتهام المشروع بالتبرير الضمني، نكون أمام أزمة تمثيل لا مجرد زلة خطاب.
لبنان ليس ساحةً لتلاوة بيانات إنذار، ولا شعبه رهينةً في معادلة ردعٍ تُكتب بمداد الخوف. من يجلس على كرسي الخارجية، إما أن يكون صوت الدولة في وجه العدوان، أو يتحول إلى شاهد زورٍ على انتهاكها.
والتاريخ لا يرحم. فهو يسجّل من وقف مدافعًا عن السيادة، ومن ارتضى أن يكون صدىً لتهديدات العدو. بين الدبلوماسية والوصاية خيطٌ رفيع، ومن يقطعه يسقط في هاوية الارتهان.
أما لبنان، فسيبقى أكبر من كل خطابٍ مرتجف، وأعلى من كل بيانٍ ملتبس. وسيادته ليست مادةً للتفاوض على منابر دولية، بل حقٌ يُنتزع ويُصان. ومن لا يحتمل عبء هذه الحقيقة، فليتنحَّ… لأن الكرسي السيادي ليس متكأً للحياد الرمادي، بل منصة مواجهةٍ باسم وطنٍ لا يقبل أن يُمثَّل إلا بصوتٍ يشبهه..
عباس المعلم - كاتب سياسي