لم تعد مراجعة العقوبات الأوروبية على سوريا مجرّد تعديلٍ تقني في لوائح قانونية، بل تحوّلت إلى عملية إعادة هندسة شاملة لمقاربة الاتحاد الأوروبي تجاه مرحلة انتقالية معقّدة تتداخل فيها اعتبارات السياسة والأمن والاقتصاد. الوثيقة الداخلية التي كُشف عنها أخيراً تعكس إدراكاً أوروبياً بأن أدوات المرحلة السابقة لم تعد صالحة بالكامل لواقع سوري جديد يتطلّب مرونةً سياسية وضبطاً أمنياً دقيقاً في آنٍ معاً.
لسنواتٍ طويلة، ارتبط نظام العقوبات الأوروبي باستهداف رموز النظام السابق وبنية السلطة التقليدية، غير أن المشهد الحالي يفرض أولويات مختلفة: حماية الأقليات، توسيع المشاركة السياسية، ومكافحة الإرهاب وشبكات المخدرات العابرة للحدود. هذه العناوين لم تعد شعاراتٍ دبلوماسية، بل شروطاً عملية لأي انخراط أوروبي فعّال في مسار إعادة البناء.
المقاربة الجديدة تقوم على نقل مركز الثقل من العقاب الجماعي أو الرمزي إلى استهداف الفاعلين الذين قد يعرقلون الاستقرار أو يهدّدون الانتقال السياسي. وتشمل الدوائر المقترحة للعقوبات المحدّثة جماعاتٍ مسلّحة خارجة عن إطار الدولة، شبكات فساد مرتبطة بملفات إعادة الإعمار، ومنظومات تهريب المخدرات التي تحوّلت إلى اقتصادٍ موازٍ عابر للحدود. بهذا المعنى، يسعى الاتحاد إلى مواءمة أدوات الضغط مع أولويات الأمن الإقليمي، لا الاكتفاء بإرثٍ قانوني يعكس صراعاً مضى.
في البعد السياسي، يضع الاتحاد حماية الأقليات في صلب معادلته الجديدة. فالتجارب الإقليمية أثبتت أن أي انتقالٍ سياسي لا يضمن تمثيلاً واسعاً وتشاركية حقيقية يظل هشّاً وقابلاً للانفجار. لذلك تبدو بروكسل معنيّة بربط أي انفتاح اقتصادي بتقدّم ملموس في ملف المشاركة السياسية، واحترام التنوّع الديني والعرقي، وبناء مؤسسات جامعة لا تُقصي أحداً. إنها محاولة لترجمة القيم الأوروبية إلى أدوات ضغط واقعية، دون الوقوع في فخّ العزلة أو القطيعة.
اقتصادياً، تعكس المراجعة هاجساً أوروبياً واضحاً الإطار العقابي القديم بات يُنظر إليه كبيئة قانونية ملتبسة تُخيف المستثمرين وتعرقل تدفّق رؤوس الأموال. ومع أن جزءاً مهماً من القيود الاقتصادية رُفع خلال العام الماضي، فإن استمرار الصورة الذهنية للعقوبات الشاملة يبطئ التعافي ويُضعف قدرة أوروبا على المنافسة في سوق إعادة الإعمار. من هنا تأتي فكرة “التكييف الذكي” للعقوبات، بحيث تبقى القيود موجّهة بدقة ضد معرقلي الاستقرار، لا ضد الاقتصاد ككل.
في السياق الدولي، لا تبدو الخطوة الأوروبية معزولة. فقد سبقتها تحرّكات من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة خلال عام 2025 لتخفيف القيود وفتح قنوات اقتصادية محدّدة، مع الإبقاء على أدوات ضغط مرتبطة بحقوق الإنسان والأمن. هذا التوازي يعكس تحوّلاً غربياً أوسع من سياسة الاحتواء الصلب إلى إدارة انتقالٍ مشروط، يجمع بين الانخراط والمساءلة.
مع ذلك، سيُبقي الاتحاد على الإجراءات المفروضة على شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، والبالغ عددها مئات التدابير، إلى حين استكمال النقاشات الفنية. هذه الإجراءات تمثّل رسالة مزدوجة لا عودة إلى التطبيع المجاني، ولا انسحاباً من مبدأ المحاسبة.
إن إعادة هندسة العقوبات الأوروبية ليست نهاية مسار، بل بدايته. إنها اختبار لقدرة أوروبا على التوفيق بين قيمها ومصالحها، بين حماية الأقليات ودعم الاستقرار، وبين الانخراط السياسي ومكافحة الإرهاب والمخدرات. وفي حال نجحت هذه المعادلة، فقد تشكّل نقطة تحوّل حقيقية في علاقة بروكسل بدمشق، وتفتح الباب أمام دورٍ أوروبي أكثر تأثيراً في صياغة مستقبل سوريا.