​الحكمة والإحسان: مدرسة موسى
مقالات
​الحكمة والإحسان: مدرسة موسى "عليه السلام" في رحاب الهدى الرمضاني
عبدالله علي هاشم الذارحي
28 شباط 2026 , 05:43 ص

✍️عبدالله علي هاشم الذارحي

​في محطة إيمانية فارقة من محطات الوعي والبصيرة، رسم لنا السيد القائد الحكيم عبدالملك بن بدر الدين الحوثي "يحفظه الله" في محاضرته الرمضانية العاشرة لعام 1447هـ، معالم الطريق نحو الكمال الإنساني، مستلهماً من سيرة كليم الله موسى -عليه السلام- دروسًا لا تقف عند حدود النص.

بل تمتد لتمس صلب واقعنا العملي ومسؤولياتنا الجهادية.

​الحكمة والرشد: العطاء الإلهي الأسمى:

​انطلق السيد القائد من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، ليوضح أن أعظم ما يمنحه الله لعبده ليس الماديات، بل هو "الحُكم"؛ تلك الرؤية الصحيحة والرشد الذي يطابق الحكمة والعقل.

​المنحة لا المحنة: رغم البيئة الفرعونية الموبوءة التي لم تكن لتورث خيراً، هيأ الله موسى وآتاه الحكمة، ليثبت أن الهداية عطاء إلهي محض لا تدرك بالعلوم البشرية المجردة.

​التوازن النفسي: أكد القائد أن المعرفة وحدها لا تكفي؛ فما قيمة العلم دون "انضباط نفسي"؟ الحكمة هي أن تكون راشداً في تفكيرك، متوازناً في انفعالاتك، ومنضبطاً في تصرفاتك.

​الإحسان: الهوية الجامعة والصفة الغالبة

​لقد تجلى في المحاضرة أن "الإحسان" لم يكن مجرد نافلة في حياة الأنبياء، بل كان هو المؤهل الذي استحقوا به "الحكمة والعلم".

​"إن البديل عن العلم هو الجهل، والبديل عن الإحسان هو الانغلاق والأنانية."

​لقد برز موسى -عليه السلام- كمحسنٍ قبل النبوة وبعدها؛ اهتم بالمستضعفين، وتحرك بآلامهم، ووظف قوته الجسدية الهائلة وحكمته لخدمتهم. هذا الإحسان هو الذي عصمه من التأثر ببريق المحيط الفرعوني وضلالاته.

​مفاتيح السيادة في مدرسة الإحسان:

١- ​الإحسان تجاوز للأنانية: المحسن هو من يتحرر من دائرة "الذات" ليحمل هم الأمة، وهو شرط أساسي للإيمان؛ فلا يمكن أن تكون مؤمناً حقاً ما لم تكن محسناً.

٢- ​ارتباط الحكمة بالإحسان: لا إحسان بلا حكمة؛ فمن غابت عنه الحكمة قد يفسد من حيث أراد الإصلاح. الحكمة هي التي توجه طاقة الإحسان لتكون أعظم نفعاً وأدق تصويباً.

٣- ​الجهاد ذروة الإحسان: لفت القائد إلى الربط الرباني في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ في سياق الجهاد، فدفع الشر والأشرار عن الناس هو أرقى صور الإحسان وأزكاها.

​رسالة إلى جيل المسيرة:

​إن الحاجة إلى روحية الإحسان اليوم هي ضرورة وجودية؛ لعلماء الدين، لطلاب العلم، وللمجاهدين ولكل فئات الشعب. إن فقدان صفة الإحسان يعني الغرق في الأنانية، وهو ما ينتج إشكالات كبرى تعيق مسيرة الحق.

​الخلاصة:

إن جائزة الله للمحسنين هي "الحكمة والعلم"، وهي المكافأة التي يتوق لها كل من يرجو الله والدار الآخرة. لقد كان موسى -عليه السلام- أملاً للمستضعفين بإحسانه، وعلينا اليوم أن نجسد هذه الروحية لنكون أهلاً للنصر والتأييد الإلهي.