عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
في وقت لا تزال فيه إسرائيل تحتل أجزاءً من الأراضي اللبنانية، وترفض الانسحاب منها علناً، وتواصل اعتداءاتها العسكرية وتهديداتها المتكررة، يفاجأ اللبنانيون بخطاب رسمي يذهب في اتجاه معاكس لمنطق السيادة والقانون الدولي.
فبدلاً من توجيه الضغط السياسي والعسكري نحو العدو المحتل، تتجه السلطة إلى ملاحقة من يقاوم الاحتلال، وتصف مقاومة العدوان بأنها “خطأ استراتيجي”.
هذا التحول يطرح سؤالاً مصيرياً:
هل أصبحت الأولوية في لبنان كبح مقاومة الاحتلال بدلاً من إنهائه؟
ولا سيما عندما يصدر هذا الموقف عن رئيس حكومة هو قاضٍ سابق في محكمة دولية، يفترض به أن يكون أكثر من غيره إدراكاً لما يقرره القانون الدولي حول حق الشعوب في مقاومة الاحتلال.
وقد تم رصد التحولات التالية :
أولاً: إنقلاب في المواقف بين قائد الجيش ورئيس الجمهورية
فعندما كان العماد جوزاف عون قائداً للجيش عام 2017، أعلن في “أمر اليوم” بعد انتصار معركة فجر الجرود، أن الجيش سيبقى بالمرصاد للعدو الإسرائيلي الذي يتربص شراً بلبنان، مؤكداً أن الدفاع عن كل شبر من الأرض اللبنانية واجب وطني وعسكري.
وقد اعتبر يوم إعلان النصر في 30 آب 2017، أن طرد الإرهاب من جرود رأس بعلبك والقاع، شكّل محطة مفصلية طوت مرحلة أليمة من حياة اللبنانيين، مؤكداً أن الجيش سيبقى مستعدا، لمواجهة الأخطار التي تهدد الوطن، وفي مقدمها العدو الإسرائيلي على الحدود الجنوبية.
غير أن الخطاب السياسي، بعد وصوله إلى رئاسة الجمهورية، بدا مختلفاً إلى حد بعيد، خصوصاً مع التأكيد على أن مبادئ حكم بشير الجميل تمثل أساساً لبناء الدولة.
وهنا يبرز التناقض الكبير، إذ إن تجربة الرئيس بشير الجميل، ارتبطت تاريخياً بتحالف مباشر مع إسرائيل، خلال اجتياح لبنان عام 1982، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مشروعاً حول كيفية التوفيق بين خطاب السيادة ومواجهة الاحتلال وبين استحضار نموذج سياسي ارتبط بالتنسيق مع هذا الاحتلال.
ثانياً: الحكومة بين مواجهة الاحتلال وملاحقة المقاومة
ًوالأمر الأكثر إثارة للجدل، هو موقف رئيس الحكومة الرئيس نواف سلام، الذي وصف دخول حزب الله الحرب بأنه “خطأ استراتيجياً فرض على اللبنانيين”.
لكن المفارقة أن الحكومة في الوقت نفسه تعلن أنها:
"تبذل جهوداً سياسية ودبلوماسية لوقف الحرب الإسرائيلية.
وتعمل في المقابل على حظر النشاطات العسكرية للمقاومة وملاحقة عناصرها قضائياً" .
أي أن الدولة تمارس أقصى درجات الضغط على من يقاوم الاحتلال، بينما تكتفي في مواجهة الاحتلال نفسه بالمساعي الدبلوماسية.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
لماذا يُطلب من الجيش والقضاء الضغط على المقاومين، بينما لا يُطلب منهم ممارسة الضغط نفسه على العدو الذي يحتل الأرض؟
ثالثاً: اتفاق الطائف… "إزالة الاحتلال قبل حصر السلاح"
إن العودة إلى المرجعية الدستورية اللبنانية، تكشف مفارقة قانونية أساسية في هذا النقاش. فـوثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) التي أُقرّت عام 1989 وأصبحت جزءاً من الدستور اللبناني، رسمت بوضوح مسار بسط سيادة الدولة.
ففي البند المتعلق ببسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، نص الاتفاق على اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، والعمل على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة.
غير أن ترتيب البنود لم يكن اعتباطياً، إذ ربط الاتفاق بين بسط سيادة الدولة وحصر السلاح بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي أولاً.
بمعنى آخر، فإن تحرير الأرض كان المدخل الطبيعي لحصر السلاح بيد الدولة، لأن منطق السيادة يقتضي أن تكون الأرض محررة بالكامل قبل مطالبة اللبنانيين بالتخلي عن وسائل الدفاع عنها.
ومن هنا، فإن أي محاولة اليوم لفرض حصر السلاح في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي واعتداءاته تشكل تناقضاً واضحاً مع الفلسفة الدستورية التي قام عليها اتفاق الطائف نفسه.
رابعاً: القانون الدولي يشرّع مقاومة الاحتلال
فإلى جانب الدستور اللبناني، فإن القانون الدولي نفسه يقرّ بوضوح بشرعية مقاومة الاحتلال.
ومن أبرز النصوص القانونية التي تؤكد ذلك:
- المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على الحق الطبيعي للدول والشعوب في الدفاع عن النفس في حال تعرضها لعدوان مسلح.
- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 لعام 1960، الذي أكد حق الشعوب في تقرير مصيرها والتحرر من السيطرة الأجنبية.
- قرار الجمعية العامة رقم 2625 لعام 1970 الذي شدد على شرعية نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية.
- قرار الجمعية العامة رقم 3070 لعام 1973 الذي أكد شرعية كفاح الشعوب الخاضعة للاحتلال الأجنبي.
- قرار الجمعية العامة رقم 37/43 لعام 1982، الذي اعترف صراحة بشرعية نضال الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي بجميع الوسائل المتاحة، بما فيها الكفاح المسلح.
- كما اعترف البروتوكول الإضافي الأول، لاتفاقيات جنيف لعام 1977، بأن حروب التحرر الوطني ضد الاحتلال الأجنبي تعد نزاعات دولية مشروعة.
خامساً: عندما يُستخدم القانون المحلي لمخالفة القانون الدولي
الأخطر في المشهد اللبناني، هو محاولة استخدام القانون المحلي لتجريم المقاومة، في حين أن قاعدة أساسية في القانون الدولي تنص على أن القانون الداخلي لا يمكن أن يُستخدم لتبرير مخالفة الالتزامات الدولية للدولة.
وقد كرّست هذه القاعدة، اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، ولا سيما المادة 27 التي تنص بوضوح على أنه لا يجوز للدولة الاحتجاج بقانونها الداخلي لتبرير عدم تنفيذ التزاماتها الدولية.
وبالتالي فإن أي تشريع أو قرار محلي يجرّم مقاومة الاحتلال، يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي.
خاتمة
إن السيادة لا تتحقق بالشعارات، بل بقدرة الدولة على حماية أرضها وشعبها. وعندما تعجز الدولة عن القيام بهذا الواجب، فإن القانون الدولي نفسه يمنح الشعوب حق الدفاع عن نفسها ومقاومة الاحتلال.
كما أن الفقه القانوني الدولي، يؤكد أن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، لا تُلزم بحصر السلاح بيد الدولة، لأن الاحتلال بحد ذاته يعني أن الدولة فقدت القدرة الفعلية على حماية أرضها وسيادتها.
ولهذا السبب اعترفت الأمم المتحدة مراراً، بشرعية حركات التحرر الوطني، وحقها في استخدام الوسائل الكفيلة بإنهاء الاحتلال.
ومن هنا فإن محاولة تحويل المقاوم إلى متهم، فيما يبقى الاحتلال خارج المساءلة، تمثل انقلاباً على منطق القانون والتاريخ معاً.
فالحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها تبقى واضحة:
"الإحتلال هو الجريمة… والمقاومة هي الحق.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
09 آذار/مارس2026