يضيق الخناق الأمريكي الغربي على كوبا يوما بعد يوم و للأسف لا تستطيع كوبا اليوم الاعتماد على دعم حقيقي من أي حكومة في أمريكا اللاتينية رغم قرنين من الأكاذيب حول سيادة بلدانها ، فالخوف من متحرش جنسي بالأطفال يتغلب على الكرامة الإنسانية و السيادة الوطنية مقارنة بوضعها بعد انهيار الكتلة الشرقية بقيادة الإتحاد السوفيتي ، بعد حصار فنزويلا و اعتقال مادورو ، أقرت الحكومة الكوبية عن نقص في وقود الطائرات في مطارات جزيرة الحرية تسبب في إلغاء جميع الأنشطة التي تتطلب النقل والكهرباء والطاقة من دروس وخطط وفعاليات ومعارض ، ليس صحيحا أن البحرية الأمريكية الجزيرة ، إنما كوبا محاصرة بسبب الخوف من العقوبات و خذلان بقية حلفائها ، هكذا يعمل النظام الرأسمالي الذي وضع كوبا في أخطر أزمة وجودية في تاريخها الحديث مع احتمال انهيار اقتصادي و طاقوي وإنساني شامل بسبب الحالة السياسية الراهنة في فنزويلا ، والتي فقدت فيها كوبا مصدرها الرئيسي للنفط الرخيص لإنتاج الطاقة و باتت شبكة الكهرباء الوطنية على وشك الانهيار، حيث تعاني معظم المناطق من انقطاعات يومية للتيار الكهربائي بسبب نقص الوقود وتوقفت 80% من محطات الطاقة عن العمل، مما أدى إلى شل إمدادات المياه و وسائل النقل العام بشكل شبه كامل ، كما تشهد كوبا نزوحا جماعيا للسكان حيث غادر مئات الآلاف من الكوبيين البلاد بوسائل مختلفة ، مما أدى إلى انخفاض كبير في القوى العاملة المحلية لا سيما ما بين المتخصصين في القطاعين الطبي و التعليمي و تشير تقارير غير مؤكدة إلى أن مسؤولين
وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عقدوا (CIA)في اجتماعات سرية مع سياسيين كوبيين بارزين في المكسي، هذه اللقاءات اهم ما طلب من الجانب الكوبي : إجبار الحزب الشيوعي الكوبي على التخلي عن احتكاره المطلق للسلطة وشروط أساسية اخرى مثل - إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين و حل جهاز الامن السياسي الداخلي وإرساء أسس ما يدعى (ديمقراطية)من خلال انتخابات حرة ونزيهة ، وإن تعذر تحقيق ديمقراطية كاملة على النمط الأمريكي المهم هو حكومة انتقالية مستعدة لقبول التبعية الاقتصادية و الدبلوماسية للولايات المتحدة وقطع العلاقات مع "الخط المعادي لأمريكا" القديم و بموجب استراتيجية "مبدأ مونرو الجديد" لإدارة ترامب تنظر إلى كوبا كنقطة حدودية في تنافس القوى العظمى وتشعر الولايات المتحدة بالقلق إزاء وجود مراكز تنصت ووجود عسكري صيني و روسي في كوبا وتسعى الولايات المتحدة إلى إجبار كوبا على قطع التعاون العسكري والاستخباراتي مع الصين و روسيا
بعد سقوط نظام مادورو في فنزويلا واضح ان الولايات المتحدة في طريقها للقضاء على دور كوبا كمركز قيادة و تدريب للحركة اليسارية في أمريكا اللاتينية و منعها من تصدير المزيد من الدعم الثوري أو الاستخباراتي إلى دول أمريكا اللاتينية الأخرى ، حيث يرغب مجتمع الأعمال الأمريكي في أن تعود كوبا سوقا مفتوحة تتيح حرية الوصول لرأس المال الأمريكي ، لا سيما في قطاعات الطاقة و السياحة و البنية التحتية كما كانت في عهد باتيستا قبل نجاح الثورة على نمط ( عودة مارسيل خليفة إلى حضن فؤاد السنيورة ).
التكتيكات الأمريكية الحالية ضد كوبا أن التركيز في الحروب الحديثة يتحول من العمليات البرية العسكرية التقليدية كما حدث في إنزال خليج الخنازير و السعي للفوز ب (الضربة القاضية) إلى حرب ناعمة من تعطل إمدادات كل ما هو ضروري ،اي اذلال واركاع المجتمع و الدولة وصولا إلى الهدف عينه ، إن كوبا بشعبها تختنق أمام أنظار العالم وكوبا ليست مجرد رمز "فيدل كاسترو وتشي"، بل هي كوكب لم يتماهى معزالانحطاط الإنساني و التوحش الذي ينزلق إليه العالم اليوم ، فهي ليست في حالة حرب مع أحد وأدانت الغالبية العظمى من الدول الحصار الأمريكي للجزيرة لعقود و لها علاقات دبلوماسية كاملة مع جميع جيرانها ولها تبتدئ بيضاء على العديد من الشعوب ، فقد أنقذ الأطباء الكوبيون بتفانٍ وإخلاص مئات الآلاف من الأرواح في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وكانت قد تبرعت كوبا بلقاحها الخاص بفيروس "كورونا "لجيرانها في المنطقة الذين كانوا في أمس الحاجة إليها وضحى متطوعون كوبيون بدمائهم من أجل استقلال أفريقيا وساعد معلموها ملايين الأشخاص في فنزويلا وبوليفيا وعشرات الدول الأخرى في التغلب على الأمية.
|موقف وطني|
حين أكد الرئيس الكوبي “ميغيل دياز كانيل” في
ظل موازين القوى هذه عن استعداده للحوار مع واشنطن وشدد أن كوبا مستعدة للدخول في مثل هذا الحوار، ولكن بشروط محددة ولا يمكن إجراء الحوار إلا على أساس المساواة في السيادة والاحترام المتبادل ومبادئ القانون الدولي ودون أي تدخل في الشؤون الداخلية و أضاف الرئيس أنه لا يمكن إجراء أي مفاوضات تحت ضغط أو تهديد أو ابتزاز اقتصادي أو إنذارات وأن كوبا لن تقدم أي تنازلات سياسية تحت الإكراه، في الوقت نفسه أصدرت وزارة الخارجية الكوبية بيانا ترفض فيه بشكل قاطع اتهامات واشنطن بأن الجزيرة تشكل تهديدا للأمن القومي الأمريكي وتنفي كوبا دعم أو تمويل أو إيواء أي منظمات إرهابية أو متطرفة ، و تؤكد على عدم تسامحها مطلقا مع الإرهاب و غسل الأموال، علاوة على ذلك اقترحت هافانا استئناف وتوسيع التعاون في مواجهة التهديدات العابرة للحدود الوطنية استنادا إلى المصالح المشتركة والقانون الدولي.
يأتي هذا في ظل ضغوط متزايدة من إدارة ترامب، فبعد اختطاف الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع كانون الثاني واعتراض ناقلات نفط فنزويلية متجهة الى الجزيره المحاصرة والتهديدات بحصار نفطي شامل وجدت كوبا نفسها على حافة الكارثة ،
إنه سيناريو أحداث كانون الثاني في فنزويلا، فقبل عملية اختطاف مادورو مباشرة ، أعرب الرئيس الفنزويلي عن استعداده للتفاوض مع واشنطن في مقابلة بمناسبة رأس السنة ، إلا أن هذه المبادرة لم توقف التدخل العسكري المباشر الذي انتهى باعتقال الرئيس وإعلان الحكم الأمريكي المؤقت لفنزويلا ، بالنسبة للقيادة الكوبية تعتبر التجربة الفنزويلية بمثابة تحذير مباشر فأي تراجع في الموقف في ظل أقصى درجات الضغط قد ينظر إليه كخطوة نحو حل وسط ، بل كعلامة ضعف ومقتل لنظامها ولكن بدون دعم حقيقي ،يطرح سؤال إلى اين المقر وهل سوف يجاور قسريا الرئيس ميغيل دياز رفيقه مادورو في زنزانة العار الأمريكية والاستمرار بالتبول على كل القوانين الدولية ..؟.
لن يكون هناك عار في تاريخ أمريكا اللاتينية و حلفاء هافانا حول العالم من ذلك اليوم الأسود يوم تضطر للتفاوض مع هذا المهووس المتعجرف كي يحتفل بتحطيم كوبا الاسطورة انهيارها تحت هذا الحصار النازي على مدى أكثر من سبعة عقود ويخنقها نهائيا.
الحالة الوحيدة للحفاظ على كوبا التي نعرفها ، جعلها ضرورة لكل من بكين و موسكو كما هي اسرائيل ضرورة لواشنطن و كما تايوان بوجه الصين وأوكرانيا بوجه روسيا بعد إغراق طموح ترامب و امبراطوريته في وحول بلاد فارس ، لكن هل هناك إرادة وقدرة سياسية وعسكرية من أجل هكذا مشروع - خلق كابوس للولايات المتحدة في حديقتها الخلفية .؟