عجز التفوق الناري ..و انكشاف المسار العملياتي للعدوان الإسرائيلي على لبنان ..!؟
مقالات
عجز التفوق الناري ..و انكشاف المسار العملياتي للعدوان الإسرائيلي على لبنان ..!؟
عباس المعلم
21 آذار 2026 , 05:58 ص


بقلم ( عباس المعلم )

في الحروب التي تُدار تحت سقف الأهداف القصوى، تنكشف سريعاً الفجوة بين فائض القوة وحدود الفعل. ومع تآكل عنصر المبادرة وفقدان القدرة على فرض إيقاع المعركة، يبدأ المسار العملياتي بالانكشاف، لا عبر ما يُعلن، بل عبر ما يعجز عن التحقق في الميدان.

يتضح مسار العدوان الإسرائيلي على لبنان يوماً بعد يوم، لناحية انحسار أي أفق عملي يفضي إلى تحقيق إنجازات حاسمة أو بلوغ الأهداف المعلنة والمضمَرة. إذ يبدو أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تخوض هذه الجولة في حالة من التشتت العملياتي والتخبط التكتيكي، على نحو مغاير لما ساد خلال حرب أيلول 2024، حيث كان الإيقاع أكثر انضباطاً والقرار أكثر تماسكاً.

في المقابل، يبرز عجز واضح عن تسجيل اختراقات ميدانية أو تحقيق مكاسب أمنية نوعية في مواجهة حزب الله، الذي يظهر هذه المرة ببنية قتالية مختلفة كلياً، سواء على مستوى الجاهزية، أو منظومات القيادة والسيطرة، أو مرونة الانتشار وتكتيكات الاشتباك.

صحيح أن العدو لا يزال يحتفظ بتفوق ناري كثيف، يوظفه بعنف في استهداف البنى العمرانية وتدمير المدن والبلدات ضمن نمط قصف تشبّعي، إلا أن هذا الاستخدام المفرط للقوة لم يُترجم إلى سيطرة ميدانية أو فرض وقائع استراتيجية على الأرض.

وعلى الرغم من المؤشرات التي توحي بإمكانية رفع وتيرة التصعيد سواء عبر توسيع بنك الأهداف أو تكثيف الضربات بعيدة المدى إلا أن ذلك لن يحجب حقيقة العجز البنيوي عن تعديل ميزان الاشتباك القائم. ويعود ذلك إلى تماسك البنية القيادية لحزب الله، وإحكامه إدارة المعركة عبر منظومة قيادة وسيطرة فعّالة، رغم الضغوط المركّبة التي يتعرض لها، داخلياً عبر القيود السياسية الحكومية، وخارجياً من خلال الطوق الجغرافي والبحري المفروض عليه.

السيناريو الأرجح في المرحلة المقبلة يتمثل في انتقال العدو إلى استراتيجية “الضغط الأقصى” متعددة المستويات: تكثيف الضغوط السياسية على الحكومة اللبنانية لدفعها إلى الانخراط المباشر في مواجهة الحزب ميدانياً، بالتوازي مع استهداف منهجي للبنى التحتية السيادية للدولة، بهدف إحداث كسر في الإرادة السياسية وإجبارها على تحمّل عبء المواجهة. ذلك أن إسرائيل، في ضوء عجزها حتى الآن عن حسم الاشتباك أو تحقيق اختراق حاسم، تسعى إلى “خصخصة المواجهة” عبر نقل كلفتها إلى الداخل اللبناني، أملاً في تعويض قصورها العملياتي وتقليص أثر الضربات الارتدادية التي تطال عمقها الجغرافي ومنشآتها الحيوية.

إن استمرار هذا النمط من التصعيد دون تحقيق إنجاز نوعي يشي بدخول المواجهة في مرحلة استنزاف مفتوحة، حيث يصبح عامل الزمن سلاحاً موازياً للنار. وفي هذا السياق، فإن الانزلاق إلى استهداف ممنهج للبنى التحتية للدولة ينطوي على مخاطر استراتيجية تتجاوز ساحة المعركة، إذ قد يعيد تشكيل قواعد الاشتباك ويدفع نحو توسيع نطاق النزاع إقليمياً. وعليه، فإن المرحلة المقبلة تتطلب قراءة دقيقة لمؤشرات التصعيد، لأن أي خطأ في تقدير التوازنات سواء من قبل العدو أو الداخل اللبناني قد يفضي إلى انتقال الصراع من مستوى الاحتواء العملياتي إلى مستوى الانفجار الاستراتيجي الشامل، بما يحمله ذلك من كلفة باهظة على مختلف الأطراف.

عباس المعلم - كاتب سياسي