بقلم: د. هناء سعادة
يشكل إستهداف مقاتلة الشبح الأمريكية F-35 لحظة فارقة تتجاوز البعد الميداني المباشر، لتطال في عمقها إحدى أكثر السرديات رسوخًا في الخطاب العسكري الغربي، والمتمثلة في “التفوق الجوي الأمريكي” بوصفه حقيقة ثابتة لا تقبل الاختراق. فهذه الواقعة، بما تحمله من دلالات تقنية وعملياتية، تفرض مراجعة جادة لمعادلات الردع والسيطرة في ساحة معركة تتبدل قواعدها بسرعة، وتؤكد أن منظومات الهيمنة، مهما بلغت درجة تعقيدها، ليست بمنأى عن الاختبار، ولا عن الإخفاق.
إن ما تكشفه هذه الضربة ليس مجرد إصابة منصة قتالية متقدمة، بل اهتزازًا واضحًا في صورة التفوق التكنولوجي التي عملت واشنطن على ترسيخها لعقود، عبر الجمع بين القوة الصلبة، والردع النفسي، والتفوق الإعلامي. فحين تتعرض إحدى أكثر الطائرات الأمريكية تطورًا للاختراق، فإن الرسالة تتجاوز الحدث العسكري إلى مساءلة أوسع لمعادلة القوة ذاتها، ولحدود القدرة الأمريكية على فرض سيطرة مطلقة على المجال الجوي في بيئة قتالية شديدة التعقيد.
في المقابل، يبرز الأداء الإيراني بوصفه عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل منطق الاشتباك، إذ نجحت طهران في مفاجأة الجميع بقوة عملياتية غير متوقعة، مدهشة خصومها الذين راهنوا على سقوط النظام سريعًا. فالإدارة الأمريكية بقيادة ترامب، وخطط نتنياهو لإسقاط النظام الإيراني، لم تحقق أي نتائج تذكر خلال الأسبوع الثالث من الحرب، بينما أثبتت إيران براعة تكتيكية وقدرة على التكيف مع المتغيرات الميدانية المستمرة، محققة نتائج ملموسة في الوقت الذي ظن فيه البعض أن السيطرة الأمريكية ستكون مطلقة.
لقد أكدت هذه الواقعة أن إيران ليست مجرد طرف دفاعي، بل قوة هجومية متكاملة، قادرة على إدارة معاركها بدقة وإحداث مفاجآت استراتيجية تغيّر قواعد اللعبة. وهنا تتجلى أهمية الإنجاز الإيراني، لا بوصفه حدثًا عابرًا، بل باعتباره رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن موازين القوة في المنطقة لم تعد أحادية الاتجاه، وأن زمن الهيمنة الجوية المطلقة الأمريكية بدأ يتآكل أمام الأداء النوعي الإيراني، الذي أعاد تعريف المعايير الجديدة للقوة الجوية في المنطقة.
إن ما جرى يفتح الباب أمام قراءة أعمق لمستقبل الصراع، قوامها أن التفوق التقني، مهما بلغ من تطور، لا يضمن الحسم إذا وُوجه بعقلية قتالية مدروسة، وإدارة متقنة لسير العمليات، وقدرة على التحرك والاستفادة من الفرص في زمن الحروب المركبة. ومن هنا، فإن إستهداف هذه المقاتلة الشبح، فخر الصناعة الأمريكية، كما يصفونها، ليست مجرد خسارة مادية، بل ضربة رمزية تمس جوهر الصورة التي طالما روجت لها الولايات المتحدة باعتبارها القوة التي لا تُقهر في السماء، وتؤكد أن إيران أصبحت قوة لا يمكن تجاهلها أو التقليل من تأثيرها في ميزان القوى الإقليمي والدولي.