.كتب حسن علي طه
عندما طلب موسى (ع) رؤية الله، قيل له: انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلّى ربه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا.
أما هنا، ففي جبل عامل، جبلٌ لم يُدكّ؛
جبلٌ كأن يد العناية تحيط به،
وجبلٌ إذا اشتدّت عليه العواصف، ازداد رسوخًا وثباتًا.
هنا، عند حدود فلسطين، لا ترى مجرد أرض،
بل ترى رجالًا يشبهون اليقين؛
يقاتلون فلا يتراجعون،
ويصبرون فلا ينكسرون،
ويواجهون وكأن الموت طريقٌ إلى حياةٍ أسمى.
إرادةٌ لا تُكسر،
وثباتٌ لا تزعزعه الحروب،
وعقيدةٌ لا تهتز مهما تبدّلت الموازين.
وكما أُهلكت عاد بريحٍ صرصرٍ عاتية، وثمود بالرجفة، وأبرهة بطير أبابيل،
تتكرر السنن،
وتُكتب الملاحم،
لكن بوجوهٍ جديدة وأسماءٍ جديدة.
فلله جنودٌ لا تُحصى؛
جنودٌ من الريح،
وجنودٌ من الطير،
وجنودٌ من الأرض إذا ارتجفت،
واليوم… جنودٌ من السحاب.
سحابٌ لا يفارق السماء،
يلازم الأرض كأنه عهدٌ إلهي،
يظلّل المجاهدين،
ويخفي خطاهم،
ويربك عدوهم،
كأن السماء نفسها تقاتل معهم،
وكأن الغيب انحاز إلى من ثبتوا.
اليوم، في جبل عامل، لا تُكتب معركة،
بل تُكتب أسطورة؛
أسطورة يعجز العقل عن تفسيرها،
ويعجز العدو عن كسرها.
عدوٌّ يقف عاجزًا،
أمام إرادةٍ لا تُقهر،
وأمام رجالٍ لا يُشترون،
ولا يُخدعون،
ولا يبدّلون عهدًا قطعوه.
وفي الداخل ودائع للعدو، صدمةٌ تتسع؛
ظنّوا النهاية قريبة،
فإذا بالبداية تُكتب من جديد،
وظنّوا هزيمة المقاومة وشيكًة ،
فإذا بكابوسٌ يطاردهم في كل اتجاه.
انقلب السحر على فرعون،
وسقط الوهم،
وعادت خيبر…
حصنًا يُقتلع بابه حيدر،
وصرخةً تُعيد التاريخ إلى الميدان.
ويبقى الأثر…
حكاية لا تموت،
وذاكرة لا تُمحى،
ودمٌ لا يبرد.
لكل نقطة عرقٍ سالت على جباهكم،
لكل قطرة دمٍ ارتفعت إلى السماء،
لكل شهيدٍ مضى ولم يغب،
أنتم الامتداد…
أنتم الحكاية…
أنتم النبض الذي أعاد للأمة روحها.
دمكم ليس دمًا يُنسى،
بل عهدٌ يُكتب،
وتاريخٌ يُروى،
وحياةٌ تتجدّد في كل جيل.
يا أطهر الدماء،
يا مداد السماء،
يا من كتبتم بدمكم ما عجزت عنه الكلمات،
دمكم أبقى،
يذكّر بدم عليٍّ في المحراب ويحفظه،
ويحيي دم الحسين في كربلاء وينصره،
ويقول لكل زمن: هنا تمرّ الكرامة.
لكل مجاهدٍ يحمل كرامة شعبه بين يديه،
ويمضي غير آبهٍ بما يترك خلفه،
لكل من باع الدنيا ليشتري الحق،
لكل من رخص المال والرزق تحت قدميه،
لكم دينٌ في رقاب الشرفاء،
لا يُسقطه زمن،
ولا تمحوه سنون،
ولا يطفئه تعب.
دينٌ يبقى…
إلى يوم الدين يبقى للأبد