بقلم ( عباس المعلم )
في الحروب المعاصرة، غالباً ما تُختزل القراءة الميدانية في مؤشرات التقدّم والتراجع، وتُقاس النتائج بخرائط السيطرة اللحظية. غير أنّ هذا المنظور، على أهميته التكتيكية، يعجز عن مقاربة جوهر الصراع حين يتحوّل الميدان إلى مختبر لإعادة تعريف أنماط القتال ذاتها. من هنا، تبرز المواجهة البرية الدائرة بوصفها نموذجاً يتجاوز توصيف “منع التقدّم” أو “احتواء التوغّل”، إلى مستوى أعمق يرتبط بإعادة تشكيل معادلة الاشتباك بين قوة نظامية فائقة التفوق ومنظومة مقاومة تعيد إنتاج ذاتها على نطاق غير مسبوق.
على خلاف ما يُتداول من توصيفات تختزل المواجهة البرية في إطار تعطيل تقدّم العدو أو منعه من تثبيت مواضع سيطرته وتوسيع رقعة توغّله، ورغم وجاهة هذه المقاربة على المستوى الظاهري والتكتيكي، فإنّ القراءة الاستراتيجية الأعمق تكشف عن بنية صراع مختلفة تماماً في جوهرها وغاياتها.
ذلك أنّ ما يجري ميدانياً لا يندرج ضمن نمط الدفاع التقليدي أو حتى الدفاع النشط، بل يقترب من صياغة نموذج مقاومة شاملة، واسعة النطاق، تتجاوز في امتداداتها وتجهيزاتها وتكوينها البشري واللوجستي كل ما عُرف في تجارب حركات المقاومة الحديثة. هذه المنظومة تعمل في بيئة عملياتية معقّدة، في مواجهة قوة غازية تتفوق عدداً وعدّةً وتكنولوجيا وغطاءً جوياً وقدرات إسناد لوجستي مفتوحة، ما يرفع من مستوى التحدي إلى حدّه الأقصى.
وعليه، فإنّ الهدف الفعلي لهذه المواجهة لا يقف عند حدود الاستنزاف أو العرقلة، بل يتجاوز ذلك إلى مسار يمكن توصيفه بدرجة عالية من اليقين كعملية تحرير شاملة لمنطقة واقعة تحت احتلال مكتمل الأركان منذ ما يزيد عن خمسة عشر شهراً. هذا الاحتلال لا يشبه في طبيعته أو أدواته النماذج السابقة، بل يتفوق عليها من حيث كثافة التدمير وإعادة تشكيل البيئة الجغرافية إلى ما يشبه “الأرض المحروقة”، حيث جرى تفكيك البنية العمرانية والبيئية للنسق الأمامي بشكل شبه كامل خلال عامين من العمليات المتواصلة.
في هذا السياق، تكتسب العمليات التي ينفذها الحزب بُعدين متداخلين ظاهرها استهداف تكتيكي لمواقع العدو وتجمعاته، أما جوهرها فيتمثل في تفكيك بنية الاحتلال الثابتة وإعادة تقويض ركائزها تدريجياً وصولاً إلى إسقاطها. إنها عملية تراكمية تُدار وفق إيقاع مركّب يجمع بين الضربات الموضعية والتأثيرات التراكمية بعيدة المدى.
والأهم أنّ هذه التجربة الميدانية تخرج عن القوالب الكلاسيكية، لتؤسس لما يمكن اعتباره مدرسة قتال هجينة، تمزج بين مرونة مجموعات المقاومة وخفة حركتها، وبين عناصر من بنية الجيوش النظامية في مجالات القيادة والسيطرة والإسناد الناري المتكامل. إذ نلحظ تكاملاً عملياتياً بين المدفعية والصواريخ والطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي، ضمن شبكة قيادة وتحكم قادرة على التنسيق اللحظي مع وحدات المشاة المنتشرة على مساحات واسعة وبعمق عملياتي أفقي وعمودي معقّد.
كل ذلك يجري في مواجهة تشكيلات عسكرية ثقيلة تُقدّر بثماني فرق مدرعة يتجاوز عديدها مئةً وعشرين ألف ضابط وجندي، مدعومة بآلاف الدبابات والآليات المتطورة، ومتصلة عضوياً بسلاح الجو وغرف عمليات فائقة السرعة في الرصد والمعالجة واتخاذ القرار، فضلاً عن خطوط إمداد مفتوحة بإمكانات تفوق ما تمتلكه عدة جيوش غربية مجتمعة.
إنّ ما يتبلور في هذه المواجهة لا يمكن قراءته كجولة ضمن صراع تقليدي، بل كتحوّل بنيوي في فنّ الحرب غير المتكافئة، حيث تُعاد صياغة مفهوم “التحرير” ليصبح نتاج عملية استنزاف ذكية مرفقة بقدرة على إدارة مسرح عمليات معقّد ضد خصم متفوّق استراتيجياً. وإذا استمر هذا النمط من التكيّف العملياتي والتكامل الناري والمرونة القيادية، فإنّ تداعياته لن تقتصر على مآلات الميدان الراهن، بل ستفرض نفسها كنموذج مرجعي في الدراسات العسكرية والأمنية، يُعيد تعريف حدود القوة وحدود الردع، ويُدخل الجيوش النظامية في اختبار قاسٍ أمام خصم لا يُهزم بالمعايير التقليدية ولا يُحتوى بالأدوات الكلاسيكية.
عباس المعلم - كاتب سياسي