تاريخ الحلقة: 23.04.2026
*مقدمة*
في قلب قراءة ميخائيل عوض يبرز سؤال حاد يتجاوز الشكل إلى الجوهر: هل ما يجري في لبنان هو مسار تفاوضي طبيعي بين دولة وخصم، أم عملية تحضير قانوني–سياسي لشرعنة تدخل خارجي قد يرتقي إلى مستوى الغزو؟ ينطلق التحليل من مفارقة أساسية: الإصرار غير المسبوق على الذهاب إلى التفاوض في لحظة يُظهر فيها الواقع الميداني عجز الدولة عن فرض أبسط مقتضيات السيادة—حماية المدنيين، ردع الخروقات، أو حتى فرض احترام وقف إطلاق النار. هذا التناقض، وفق عوض، لا يمكن تفسيره بمنطق السعي إلى استعادة الحقوق، لأن التفاوض—كما تثبت التجربة اللبنانية منذ 1948 وصولاً إلى ما بعد 2000—لم يكن أداة ناجعة لانتزاع السيادة أو فرض الانسحاب، بل كان غالباً إطاراً لإدارة الخسارة أو تثبيت الوقائع التي فرضها الميدان.
من هنا، يتحول التفاوض من كونه وسيلة إلى غاية بحد ذاته، لكن ليس لنتائجه المباشرة، بل لما يمكن أن ينتجه من “غطاء شرعي”. فالمطلوب، بحسب هذا الطرح، ليس اتفاقاً يوقف الحرب، بل وثيقة ذات صفة دستورية تعيد تعريف قواعد الاشتباك: تحويل إسرائيل من عدو إلى طرف يمكن حل النزاع معه دبلوماسياً، وإسقاط مبررات أي مقاومة عبر حصر السلاح بيد الدولة، مع فتح الباب أمام طلب “مؤازرة دولية” لتنفيذ هذا الالتزام. هنا تكمن النقلة النوعية: من صراع مفتوح إلى إطار قانوني يجرّم أي فعل مقاوم ويمنح الشرعية لأي تدخل خارجي يُطلب “رسمياً” من الحكومة.
وفي هذا السياق، لا يعود الحديث عن تدخل عسكري—كإمكانية حضور قوات مثل المارينز الأمريكي—سيناريو افتراضياً، بل احتمالاً مؤسساً قانونياً على طلب حكومة “شرعية”. أي أن ما كان يُعدّ غزواً في المفهوم التقليدي، يمكن إعادة تقديمه كاستجابة لطلب سيادي من دولة عضو في النظام الدولي. هذه هي العقدة التي يشير إليها عوض: تحويل الفعل الخارجي من انتهاك إلى “مساعدة”، ومن فرض بالقوة إلى تنفيذ لاتفاق.
ويعزز هذا الفهم قراءة أوسع للسياق الإقليمي والدولي، حيث يتقاطع الإصرار على التفاوض مع مشاريع إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، خصوصاً ما يتعلق بساحل شرق المتوسط كممر استراتيجي للطاقة. ضمن هذا الإطار، يصبح لبنان جزءاً من وظيفة أكبر، لا مجرد ساحة نزاع، ويغدو التفاوض أداة لإدخاله قسراً في منظومة إقليمية جديدة تُعاد فيها صياغة الأدوار والحدود.
بناءً عليه، فإن السؤال “مفاوضات أم تبرير غزو؟” لا يُطرح كازدواجية لغوية، بل كتشخيص لمسار مزدوج: تفاوض في الشكل، وإعادة تأسيس للشرعية في المضمون، تمهيداً لمرحلة قد يُعاد فيها تعريف الوجود العسكري الأجنبي، ليس كاحتلال، بل كتنفيذ لاتفاق. وهنا تكمن الخطورة التي يحذر منها عوض: ليس في نتائج التفاوض بحد ذاتها، بل في ما يمنحه من غطاء قانوني وسياسي لتحولات قد تغيّر طبيعة الدولة ووظيفتها في الإقليم.
*أولاً: عامل الزمن في القرار الأمريكي — ضغط الستين يوماً كقيد استراتيجي*
يتموضع السلوك السياسي والعسكري للإدارة الأمريكية، كما يقدمه دونالد ترامب، داخل قفص زمني ضيق تفرضه بنية النظام الدستوري الأمريكي، ولا سيما القيود المنبثقة عن قانون الحرب. هذا القيد لا يُعد تفصيلاً إجرائياً، بل محدِّداً بنيوياً لطبيعة القرار؛ إذ يحوّل الحرب من خيار مفتوح إلى سباق مع الزمن. في هذا السياق، يصبح التصعيد الإعلامي، والتلويح بالقوة، بل وحتى الارتباك الظاهر في الخطاب، تعبيراً عن محاولة ضغط الزمن وليس فقط ضغط الخصم. إن إدارة ترامب، وفق هذا المنظور، لا تفاوض من موقع المبادرة الحرة، بل من موقع الساعي إلى إنجاز سريع قبل انكشاف هشاشة الغطاء القانوني والسياسي داخلياً، ما يجعل كل تحركاتها محكومة بمنطق “الإنجاز قبل انتهاء المهلة”، لا بمنطق “تحقيق النصر الكامل”.
*ثانياً: إيران — التفاوض كامتداد للميدان لا بديلاً عنه*
في مقابل السردية الغربية التي تميل إلى تصوير إيران كمنظومة مضطربة أو مترددة، يعيد عوض تقديمها كدولة مؤسساتية مركبة لكنها متماسكة في إنتاج القرار. فداخل بنية تجمع بين المرجعية العقائدية والآليات المؤسسية، يتشكل قرار استراتيجي قادر على امتصاص الصدمات وإعادة التموضع بسرعة. هنا لا يُفهم التفاوض كأداة لخفض التصعيد، بل كامتداد مباشر لميزان القوى في الميدان. فالإيراني، وفق تشبيه “تاجر البازار”، لا يدخل التفاوض بحثاً عن تسوية، بل لتكريس مكاسب تحققت مسبقاً. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح طهران في منع تحقيق نصر حاسم لواشنطن وتل أبيب، مقروناً بقدرتها على الاحتفاظ بأوراق ضغط نوعية كتهديد الممرات الحيوية، يجعلها تفاوض من موقع الندّية بل وربما التفوق، لا من موقع الاحتواء أو الدفاع.
*ثالثاً: السيناريوهات المحتملة بين العجز عن التسوية والانفجار قبل الانسحاب*
يفتح التحليل على ثلاثة مسارات، غير أن وزنها النسبي يكشف عن بنية مأزق أمريكي أكثر منه تعددية خيارات. فاحتمال تقديم إيران تنازلات يبدو ضعيفاً، ليس فقط لاعتبارات أيديولوجية، بل لأن ميزان القوى لا يفرض عليها ذلك. بالمقابل، يبقى خيار تقديم واشنطن تنازلات ممكناً نظرياً، لكنه يصطدم بعوائق داخلية تتعلق بصورة القوة والهيبة. وهنا يبرز السيناريو الثالث بوصفه الأكثر خطورة: لجوء الإدارة الأمريكية إلى ضربة قصوى، ذات طابع تدميري للبنية التحتية، قبيل انقضاء المهلة الزمنية. هذه الضربة لا تهدف إلى تحقيق نصر استراتيجي بقدر ما تسعى إلى إنتاج “أثر صادم” يسمح بإعلان وقف العمليات من موقع يبدو فيه القرار وكأنه خيار لا اضطرار. إنها استراتيجية “التدمير التعويضي” التي تعوض العجز عن الحسم بخلق واقع مدمر يصعب تجاهله.
*رابعاً: التحول في الاستراتيجية الأمريكية — من الهيمنة المباشرة إلى إدارة التوازنات*
لا يمكن فهم السلوك الأمريكي بمعزل عن التحول الأعمق في عقيدتها الاستراتيجية، كما تعكسه وثائق الأمم المتحدة. هذا التحول يقوم على تقليص الانخراط المباشر في الشرق الأوسط، مقابل إعادة توجيه الجهد نحو مواجهة القوى الكبرى كـ الصين وروسيا. في هذا الإطار، لم تعد المنطقة هدفاً بحد ذاتها، بل ساحة لإدارة التوازنات بأقل كلفة ممكنة. وعليه، يصبح السعي إلى “تفويض” الحلفاء، أو إعادة تشكيل الكيانات المحلية لتقوم بوظائف أمنية وسياسية محددة، جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل الأعباء دون التخلي عن النفوذ.
*خامساً: لبنان — من ساحة صراع إلى أداة إعادة تشكيل*
ينتقل التحليل إلى لبنان بوصفه الحلقة الأكثر حساسية في هذا المشهد، حيث يطرح السؤال الجوهري: لماذا الإصرار على التفاوض رغم انعدام جدواه العملية؟ هنا يرفض عوض التفسير التقليدي الذي يربط التفاوض بتحقيق مكاسب مباشرة، ويقترح بدلاً منه قراءة وظيفية: التفاوض ليس هدفاً، بل وسيلة لإنتاج إطار قانوني-سياسي جديد. فلبنان، في هذا التصور، لا يُراد له أن ينتصر أو يُحمى، بل أن يُعاد تعريفه ضمن منظومة إقليمية جديدة، تؤدي فيها الدولة دوراً مختلفاً، أقرب إلى الوسيط أو المنفذ لسياسات خارجية، لا الفاعل السيادي المستقل.
*سادساً: المعاهدة كأداة تحويل من شرعنة الواقع إلى إعادة تعريف الصراع*
جوهر “السر” الذي يطرحه عوض يكمن في السعي إلى انتزاع معاهدة ذات طابع دستوري، لا لوقف الحرب، بل لإعادة صياغة قواعدها. هذه المعاهدة، وفق التحليل، تحمل في طياتها تحولين خطيرين: أولاً، إعادة تعريف إسرائيل من عدو إلى شريك تفاوضي، بما يعنيه ذلك من إسقاط للمنطق الصراعي التاريخي. وثانياً، نزع شرعية أي فعل مقاوم عبر حصر السلاح بيد الدولة، وفتح الباب أمام طلب دعم خارجي لتنفيذ هذا الحصر. بهذا المعنى، لا تكون المعاهدة مجرد وثيقة، بل أداة لإعادة هندسة البنية السياسية والأمنية للبنان.
*سابعاً: البعد الجيوسياسي — ساحل الشام كمفصل طاقة عالمي*
يتجاوز التحليل البعد السياسي إلى قراءة جيوسياسية أوسع، حيث يُنظر إلى ساحل شرق المتوسط كعقدة حيوية في شبكة الطاقة العالمية. من طرابلس إلى الزهراني وصولاً إلى بانياس، يتشكل ممر محتمل لنقل النفط والغاز من الخليج والعراق نحو أوروبا، متجاوزاً الممرات البحرية الحساسة كـ مضيق هرمز. في هذا السياق، يصبح التحكم بلبنان ليس مسألة سياسية محلية، بل جزءاً من صراع دولي على مسارات الطاقة والأسواق، حيث تتقاطع مصالح واشنطن مع محاولات الحد من نفوذ موسكو وبكين.
*ثامناً: النخبة المحيطة بترامب تداخل المال والسياسة في صناعة القرار*
يشير عوض إلى دور شخصيات مثل توماس باراك وجاريد كوشنر بوصفهم أكثر من مجرد مستشارين، بل كحاملي رؤية تربط بين الاستثمار والجغرافيا السياسية. في هذا الإطار، لا يُفهم القرار الأمريكي فقط من زاوية الأمن القومي التقليدي، بل أيضاً من منظور المصالح الاقتصادية الكبرى، حيث تتحول المناطق إلى مشاريع محتملة، وتصبح السياسات أدوات لتهيئة البيئة المناسبة للاستثمار والسيطرة.
*تاسعاً: السيناريو اللبناني الداخلي — الشرعية كأداة خطرة*
يبرز في الداخل اللبناني عامل حاسم يتمثل في “الشرعية الدستورية”، التي تتحول بفعل تصرف المنظومة الحاكمة من مصدر حماية إلى أداة تمرير. فالحكومة، بما تمتلكه من صلاحيات، قادرة على توقيع اتفاقيات ملزمة، حتى في ظل اختلال التوازنات الداخلية. وهنا يكمن الخطر، إذ يمكن استخدام هذه الشرعية لتبرير خطوات كاستدعاء قوات خارجية أو فرض ترتيبات أمنية جديدة، قد لا تعكس إرادة المجتمع بقدر ما تعكس ضغوطاً خارجية. إن تحويل الشرعية إلى أداة وظيفية في خدمة مشروع خارجي يمثل، في هذا التحليل، أحد أخطر ملامح المرحلة.
*عاشراً: إمكانات المواجهة — بين التعطيل وإعادة تعريف المسار*
لا ينتهي التحليل عند التشخيص، بل يطرح إمكانات للمواجهة، وإن بدت معقدة. من بينها إسقاط الحكومة لمنع توقيع المعاهدة، أو إعادة تعريف الشرعية السياسية بما يعكس توازنات داخلية جديدة. غير أن هذه الخيارات تبقى مرتبطة بسياق إقليمي أوسع، حيث يتداخل مصير لبنان مع مسار الصراع بين القوى الكبرى. وعليه، فإن أي محاولة للمواجهة لا يمكن أن تكون محلية خالصة، بل يجب أن تُفهم ضمن شبكة العلاقات والتحولات التي تعيد رسم خريطة المنطقة.
*الخلاصة: لبنان كمرآة لصراع أكبر*
في المحصلة، يقدم طرح ميخائيل عوض رؤية تعتبر أن ما يجري في لبنان ليس سوى انعكاس لصراع دولي وإقليمي أوسع، تتقاطع فيه حسابات الزمن الأمريكي، والقدرة الإيرانية على الصمود، والتحولات في بنية النظام الدولي. وبين هذه العوامل، يتحول لبنان من ساحة صراع إلى أداة لإعادة تشكيل التوازنات، حيث لا يكون السؤال: كيف تنتهي الحرب؟ بل: كيف يُعاد تعريف ما بعدها.
بتاريخ: 24.04.2026
لمتابعة الحلقة كاملة على الرابط
https://www.facebook.com/share/v/1GadKMgab8/
null: https://www.facebook.com/share/v/1GHbFZWMuR/