ترامب في بكين..من لغة التهديد إلى أبواب التوسّل السياسي
مقالات
ترامب في بكين..من لغة التهديد إلى أبواب التوسّل السياسي
عبدالله علي هاشم الذارحي
14 أيار 2026 , 19:13 م

✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي

زيارةُ ترامب إلى الصين هذه المرة لا تشبه زيارات رؤساء البيت الأبيض الذين اعتادوا الذهاب إلى بكين وهم يتحدثون بلغة الإملاءات والهيمنة، لكنها تأتي في لحظة ارتباك أمريكي غير مسبوقة، حيث تبدو واشنطن منهكة بحرب خاسرة على إيران، ومأزومة اقتصاديًا، وعاجزة عن فرض شروطها حتى على خصومها التقليديين.

فما وصفه موقع بولتيكو بالقمة المتراجعة ليس مجرد توصيف إعلامي، بل اعتراف أمريكي صريح بأن موازين القوى العالمية بدأت تميل بعيدًا عن القطب الواحد.

ترامب، الذي كان يهدد الصين بالحروب التجارية والعقوبات، يصل اليوم إلى بكين وهو يحمل ملفات أثقل من أن تتحملها الإدارة الأمريكية؛ من الاقتصاد المتراجع، إلى مأزق الحرب مع إيران، وصولًا إلى أزمة تايوان التي تحولت إلى قنبلة موقوتة في وجه واشنطن نفسها.

لقد أراد ترامب أن يظهر بمظهر الرجل القوي القادر على انتزاع صفقات تاريخية،

لكنه يجد نفسه في موقع الطالب الباحث عن مخرج، بينما تقف الصين بثقة الدولة الصاعدة التي تعرف أن الزمن لم يعد أمريكيًا خالصًا.

الأخطر أن هذه الزيارة تأتي فيما تعيش الولايات المتحدة حالة انكشاف سياسي وعسكري واضحة.

فواشنطن التي أغرقت المنطقة بالحروب لم تستطع كسر إرادة محور المقاومة،

ولم تنجح في إخضاع إيران رغم سنوات العقوبات والتهديدات.

واليوم تحاول إدارة ترامب جرّ الصين إلى ممارسة ضغوط على طهران، لكن بكين تدرك جيدًا أن المشروع الأمريكي في المنطقة يتهاوى، وأن الدخول في لعبة الابتزاز الأمريكية سيعني خسارة شريك استراتيجي مهم كإيران، وخدمة مجانية لمصالح واشنطن المتراجعة.

واتوقع أن لقاء الرئيس الصيني وترامب لن يؤثر على ماهو حق لإيران بمسألة مضيق هرمز ٬وعلاقة إيران والصين الإستراتيجية ثابتة ولن تتأثر.

وفي ملف تايوان، تبدو أمريكا كمن يصب الزيت على النار.

فصفقات السلاح الضخمة التي وقعتها واشنطن مع الجزيرة ليست سوى محاولة يائسة لاستفزاز الصين وعرقلة صعودها.

غير أن بكين لم تعد تلك الدولة التي تكتفي ببيانات الاحتجاج. الصين اليوم قوة اقتصادية وعسكرية عالمية، وتتعامل مع قضية تايوان باعتبارها خطًا أحمر لا يقبل المساومة.

لذلك فإن أي مغامرة أمريكية في هذا الملف قد تشعل مواجهة تتجاوز حدود آسيا إلى النظام الدولي بأكمله.

إن مشهد ترامب في بكين يختصر التحول الكبير في العالم؛ رئيس أمريكي يأتي مثقلًا بالفشل، يطلب تعاون خصومه لإنقاذ نفوذ بلاده، بينما تقف الصين بثبات وهي ترى الإمبراطورية الأمريكية تتآكل من الداخل.

لم تعد واشنطن قادرة على فرض إرادتها كما فعلت لعقود، ولم يعد العناق الدافئ الذي يحلم به ترامب مضمونًا في عالم يتغير بسرعة.

لقد دخل العالم مرحلة جديدة؛ مرحلة تعدد الأقطاب، حيث لم تعد أمريكا السيد المطلق، وحيث باتت قوى كالصين وروسيا ومحور المقاومة تفرض معادلات جديدة على الأرض.

من هنا فإن زيارة ترامب إلى بكين ليست زيارة قوة، إنما اعتراف ضمني بأن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة يقترب من نهايته، وأن الشرق بدأ يكتب قواعد اللعبة الدولية من جديد، وغدًا لناظره قريب.