لعبة الشيطان لروبرت دريفوس.. تحليل وقراءة حفريّة جدليّة..
ثقافة
لعبة الشيطان لروبرت دريفوس.. تحليل وقراءة حفريّة جدليّة..
ا. خالد الحديدي / مصر
26 نيسان 2026 , 18:49 م

* البشير عبيد / مصر

حين أقرأ كتاب لعبة الشيطان لروبرت دريفوس، لا أتعامل معه ككتاب يحكي وقائع، بل كنصٍّ يُخفي أكثر مما يُظهر. ما يهمني فيه ليس الحكاية، بل البنية التي تتحرك تحت الحكاية. ليس ما قيل، بل ما ظل صامتًا وهو يوجّه كل ما قيل.

في سطح النص، أرى قصة تبدو مألوفة الولايات المتحدة تنخرط في صراعات الحرب الباردة، تبحث عن أدوات، فتجد في الحركات الإسلامية إمكانية للتوظيف. دعم هنا، تسهيل هناك، غض طرف في لحظات معينة. هذه هي الرواية الظاهرة، رواية الاستخدام السياسي للدين.

لكنني لا أتوقف عند هذا السطح.

أنا أبدأ من السؤال الذي يتجنبه النص لماذا الدين تحديدًا؟ لماذا هذه البنية العميقة، وليست أداة سياسية مباشرة أو تحالف عسكري صريح؟

هنا يبدأ الحفر.

أكتشف أن المسألة لم تكن مجرد اختيار وسيلة، بل كانت في عمقها تعاملًا مع طاقة ثقافية كامنة. الدين ليس أداة محايدة، بل بنية حية، لها جذورها في الوعي الجمعي، ولها قدرتها على الامتداد والتكاثر. حين يتم استدعاؤه داخل صراع سياسي، فهو لا يتحرك وفق شروط هذا الصراع فقط، بل يعيد صياغته.

وهنا يظهر أول التوترات، النص يلمّح إلى أن الدعم تم دون تقدير كامل للعواقب. لكن هذه الجملة، في قراءتي، ليست توصيفًا لخطأ، بل إشارة إلى شيء أعمق هل كان هناك جهل فعلي؟ أم كان هناك وعي، لكنه وعي اختار أن يتجاهل ما يعرفه؟

أنا لا أبحث عن إجابة مباشرة، بل أتعامل مع هذا التردد بوصفه الطبقة الصامتة في النص. ومن هنا، يبدأ التحول.

لم أعد أرى الحركات الإسلامية كأدوات استخدمت ثم خرجت عن السيطرة، بل ككيانات دخلت في مسار جدلي

أداة في البداية، ثم شريك ضمني، ثم فاعل مستقل، ثم قوة تعيد تشكيل المجال كله.

وفي قلب هذا المسار، يظهر حضور جماعة الإخوان المسلمين.

لكنني لا أتعامل مع الإخوان هنا كتنظيم فقط، بل كنموذج مبكر. نموذج يكشف كيف يمكن لبنية دينية سياسية أن تكون قابلة للاحتواء، وفي الوقت نفسه تحمل داخلها إمكانية الانفلات.

في الطبقة السطحية، يظهر الإخوان كجزء من معادلة الحرب الباردة قوة منظمة يمكن الاستفادة منها في مواجهة التيارات القومية واليسارية. لكن في العمق، أرى شيئًا آخر أرى بنية مرنة، قادرة على التحول، على التكيف، على الانتقال من الدعوي إلى السياسي، ومن المحلي إلى العابر للحدود.

هذه المرونة هي التي جعلتهم قابلين للاستخدام… لكنها هي نفسها التي جعلت هذا الاستخدام غير قابل للاكتمال.

وهنا أصل إلى منطقة الصفر في النص

لم يكن الإخوان مجرد أداة، ولم يكونوا فاعلًا مستقلًا بالكامل، بل كانوا نقطة التقاء بين مشروعين؛ مشروع دولي يبحث عن النفوذ، ومشروع ديني يبحث عن الامتداد.

هذا الالتقاء لم ينتج استقرارًا، بل أنتج توترًا مستمرًا، أعاد تشكيل الطرفين معًا.

وهنا تتكشف طبقة أعمق.

كل محاولة لاحتواء هذه الحركات لم تكن مجرد سيطرة عليها، بل كانت في الوقت نفسه إعادة إنتاج لها. تم منحها مساحات، أدوات، شبكات، لكنها، في المقابل، أعادت تشكيل نفسها داخل هذه الشبكة، وخرجت منها بشكل مختلف.

ومن هنا، لم يعد ما حدث في أفغانستان أو غيرها حالة استثنائية، بل أصبح نموذجًا.

نموذج يقول إن إدخال بنية ثقافية عميقة في لعبة سياسية كبرى لا يؤدي إلى توظيفها فقط، بل إلى إطلاق مسار لا يمكن التنبؤ بنهاياته.

وهنا، حين أرفع رأسي من النص، أجد أن ما أقرأه لم ينتهِ.

ما يحدث الآن في الساحل الأفريقي مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا يبدو لي كخبر منفصل، بل كامتداد مباشر لنفس البنية.

حين تتحرك هذه الجماعة من الهامش إلى المركز، من الأطراف إلى العاصمة، من العمل المسلح إلى السيطرة على القصر الرئاسي، فأنا لا أرى مجرد تطور ميداني، بل أرى اكتمال مسار.

ما كان يُستخدم، أصبح يستخدم نفسه.

ما كان يُدار، أصبح يدير. وما كان يُنظر إليه كأداة، أصبح مشروع حكم.

وفي هذه اللحظة، تتكثف كل طبقات النص... لم نعد أمام ارتداد فقط، بل أمام لحظة يتحول فيها التاريخ من كونه سلسلة قرارات، إلى كونه شبكة نتائج لا يمكن السيطرة عليها.

حتى الشخصيات، مثل إياد آغ غالي، لا أراها كأفراد بقدر ما أراها كنقاط تلاقٍ تمرد محلي، خطاب ديني، وشبكة جهادية عابرة. هذا التراكب ليس استثناء، بل هو التعبير الأكثر وضوحًا عن هذه البنية التي وصفها الكتاب دون أن يسميها.

وأنا هنا أستعيد نفس النموذج الذي تكرر من قبل، نفس الصيغة التي رأيناها مع الجولاني (أحمد الشرع) لا يظهر كقائد خرج من فراغ، بل كناتج تراكمي لمسارات متداخلة سياق محلي مأزوم، بنية تنظيمية عابرة، وخطاب ديني قادر على التعبئة وإعادة تعريف الصراع.

بنفس المنطق، لا يمكن قراءة إياد آغ غالي كحالة منفصلة، بل كإعادة إنتاج لنفس النموذج في جغرافيا مختلفة.

كأن البنية نفسها تعيد تشكيل وجوهها

مرة في المشرق، ومرة في الساحل،

لكنها تحتفظ بجوهرها تحويل الفوضى المحلية إلى مشروع، وإعادة صهر الدين داخل معادلة السلطة، ثم القفز من الهامش إلى المركز.

وهنا لا أعود أرى تشابهًا بين الشخصيتين، بل أرى آلية واحدة تعمل عبرهما.

آلية تنتج هذا النوع من القادة لا بوصفهم استثناءات، بل بوصفهم نتائج منطقية لمسار طويل بدأ كما كشف الكتاب حين فُتح الباب لأول مرة أمام تسييس الدين داخل لعبة أكبر منه.

ومع كل ذلك، ألاحظ الصمت.

بينما تتحرك هذه التحولات العميقة، ينشغل السطح بأشياء أخرى ترندات، قضايا عابرة، ضجيج بلا أثر. هنا أفهم أن الغياب ليس فراغًا، بل جزء من البنية. ما لا يُقال، هو أحيانًا ما يحدد ما سيحدث.

وفي النهاية، أصل إلى ما أراه جوهر لعبة الشيطان. ليست اللعبة في التحالفات،

ولا في الأخطاء، ولا حتى في النوايا.

اللعبة الحقيقية هي في هذا الوهم؛ وهم أن الفعل يمكن احتواؤه، وأن الأدوات تظل أدوات، وأن من يصنع التاريخ يظل خارج نتائجه.

لكن ما يكشفه النص وما أراه يتحقق أمامي هو العكس تمامًا كل تدخل يزرع داخله بذرة انفلاته، كل محاولة للسيطرة تعيد توزيع القوة، وكل بنية يتم استدعاؤها من عمق الثقافة، لا تُستخدم فقط… بل تعيد تشكيل من استخدمها.

وهنا، لا أعود أرى الإخوان كنهاية،

ولا جماعة نصرة الإسلام كبداية،

بل أرى مسارًا واحدًا ممتدًا… مسار يبدأ بفكرة قابلة للاستخدام، ثم يتحول ببطء، وبصمت إلى واقع لا يمكن السيطرة عليه.

* كاتب و ناقد و باحث مصري 

الأكثر قراءة أنشودة يا إمامَ الرسلِ يا سندي, إنشاد صباح فخري
أنشودة يا إمامَ الرسلِ يا سندي, إنشاد صباح فخري
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً