اليوم العالمي لحرية الصحافة: سؤال الحرية بين الذاكرة التاريخية وتحديات الراهن العربي
مقالات
اليوم العالمي لحرية الصحافة: سؤال الحرية بين الذاكرة التاريخية وتحديات الراهن العربي
البشير عبيد – تونس
2 أيار 2026 , 20:58 م

- البشير عبيد / تونس

في الثالث من ماي من كل عام، يتجدد الوعي العالمي بأهمية حرية الصحافة بوصفها أحد الأعمدة المؤسسة لأي نظام ديمقراطي حديث، وأحد المؤشرات الحاسمة على حيوية المجتمعات وقدرتها على إنتاج المعنى وتداول الحقيقة. فقد أقرت الأمم المتحدة هذا اليوم سنة 1993، بناءً على توصية من اليونسكو، تخليداً لإعلان ويندهوك الذي لم يكن مجرد وثيقة ظرفية، بل تعبيراً عن لحظة تاريخية مفصلية طالبت فيها الصحافة الإفريقية—ومن خلالها الصحافة العالمية—بحقها في الاستقلالية والتعددية والتحرر من هيمنة السلطة.

غير أن هذا الاعتراف الأممي لا يمكن فصله عن مسار تاريخي طويل، تشكلت خلاله فكرة حرية الصحافة عبر صراعات فكرية وسياسية عميقة. فمنذ بدايات الطباعة وانتشار الصحف في أوروبا، ارتبطت حرية التعبير بصعود الفكر النقدي وميلاد الفرد المواطن. وقد جاءت الثورة الفرنسية لتمنح هذا المبدأ بعداً قانونياً وأخلاقياً، حين أُدرجت حرية الرأي والتعبير ضمن الحقوق الطبيعية للإنسان، في مواجهة الاستبداد والرقابة. ومنذ ذلك الحين، لم تعد الصحافة مجرد أداة إخبار، بل تحولت إلى فضاء للصراع الرمزي حول الحقيقة والسلطة والمعرفة.

بل يمكن القول إن الصحافة، في لحظتها المثالية، تشكل ما يسميه يورغن هابرماس بـ"الفضاء العمومي"، حيث تتشكل الإرادة العامة عبر النقاش الحر والعقلاني. غير أن هذا الفضاء لا يقوم تلقائياً، بل يتطلب شروطاً دقيقة، في مقدمتها استقلالية الإعلام عن السلطة السياسية وعن الهيمنة الاقتصادية، وهو ما يجعل حرية الصحافة مسألة بنيوية تتجاوز مجرد النصوص القانونية.

إن حرية الإعلام، في هذا السياق، لا تُختزل في غياب الرقابة فحسب، بل تتجاوز ذلك لتشمل القدرة الفعلية على الوصول إلى المعلومة، وتداولها، وتحليلها، دون خوف أو تبعية. فهي شرط أساسي لترسيخ قيم المواطنة، إذ لا يمكن تصور مواطن فاعل ومشارك في الشأن العام دون إعلام يتيح له فهماً عميقاً لما يجري حوله. كما أن الإعلام الحر يشكل أحد أبرز أدوات الرقابة المجتمعية، حيث يضطلع بدور محوري في كشف الفساد، ومساءلة السلطة، وتفكيك الخطابات الزائفة.

وفي المجتمعات التي تسود فيها علوية القانون، تصبح حرية الصحافة جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الحقوقية، إذ تتكامل مع استقلال القضاء وشفافية المؤسسات. فالإعلام الحر لا يعمل في فراغ، بل ضمن بيئة قانونية تضمن له الحماية، وتحدد في الآن ذاته مسؤوليته الأخلاقية والمهنية. ومن هنا، فإن العلاقة بين حرية الصحافة والتقدم ليست علاقة عرضية، بل هي علاقة بنيوية: حيثما وُجد إعلام حر، وُجدت إمكانيات أكبر للإصلاح والتنمية، والعكس صحيح.

غير أن التحولات المعاصرة تفرض إعادة التفكير في هذا الترابط الكلاسيكي. فمع صعود الإعلام الرقمي ومنصات التواصل، لم تعد السيطرة على المعلومة حكراً على الدولة، بل انتقلت جزئياً إلى الفضاء الشبكي، حيث تتقاطع الحرية مع الفوضى، وتتنازع الحقيقة مع التضليل. وهنا يقترب تحليل ميشيل فوكو من الواقع الراهن، حين ربط بين المعرفة والسلطة، معتبراً أن الحقيقة نفسها تُنتج داخل شبكات القوة، لا خارجها.

أما في العالم العربي، فإن سؤال حرية الإعلام يكتسب تعقيداً مضاعفاً، بالنظر إلى تشابك العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية. فقد عرفت المنطقة خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة، كان أبرزها ما سُمّي بـالربيع العربي، الذي كشف عن الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام—خاصة الرقمية منها—في كسر احتكار المعلومة وإعادة تشكيل الفضاء العمومي. غير أن هذه اللحظة، رغم زخمها، لم تُفضِ في كثير من الحالات إلى ترسيخ دائم لحرية الصحافة، بل أعقبتها في بعض السياقات موجات من التراجع والتضييق.

تتجلى أبرز التحديات التي تواجه الإعلام العربي في استمرار القيود القانونية التي تُقيّد حرية التعبير، إضافة إلى الضغوط السياسية المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن الإكراهات الاقتصادية التي تجعل العديد من المؤسسات الإعلامية رهينة لمصادر التمويل. كما أن التحولات الرقمية، رغم ما توفره من هامش أوسع للنشر، أفرزت بدورها تحديات جديدة، من قبيل انتشار الأخبار الزائفة، وتراجع المعايير المهنية، وتداخل الإعلامي بالسياسي والشعبوي، بل وتحوله أحياناً إلى أداة تعبئة لا إلى أداة معرفة.

ومع ذلك، لا يخلو المشهد من مؤشرات إيجابية، حيث برزت تجارب إعلامية عربية تسعى إلى تكريس المهنية والاستقلالية، مستفيدة من الفضاء الرقمي ومن شبكات الصحافة العابرة للحدود. كما أن الوعي المجتمعي بأهمية الإعلام الحر بدأ يتعزز، خاصة لدى الأجيال الجديدة، التي باتت أكثر حساسية تجاه قضايا الشفافية والمساءلة، وأكثر قدرة على مساءلة الخطاب الإعلامي نفسه.

إن اليوم العالمي لحرية الصحافة لا ينبغي أن يُختزل في مناسبة احتفالية، بل يجب أن يكون لحظة نقد ذاتي، تُطرح فيها الأسئلة الجوهرية حول معنى الحرية وحدودها، وحول العلاقة بين الإعلام والسلطة والمجتمع. فحرية الصحافة ليست امتيازاً مهنياً، بل هي حق جماعي، يتصل بقدرة المجتمع على معرفة ذاته، ومساءلة واقعه، وصياغة مستقبله.

تبقى حرية الصحافة رهينة إرادة سياسية حقيقية، و هيكلة قانونية ضامنة، و وعي مجتمعي متقدًم يدرك أن الدفاع عن الإعلام الحر هو في جوهره دفاع عن الحق في الحقيقة، وعن الكرامة الإنسانية ذاتها. ولعل التحدي الأكبر اليوم لا يكمن فقط في حماية حرية الصحافة، بل في استعادة معناها العميق، بوصفها ممارسة نقدية تُبقي المجتمع يقظاً إزاء كل أشكال الهيمنة، الظاهرة منها والخفية.

- كاتب صحفي و باحث في التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي/ الصهيوني.