”قضية قدس الأقداس ميزان الصدق، وجمهورية إيران الإسلامية راية الاتساق وعنوان الثبات في زمن الالتباس".
في زمن تتكاثر فيه الخطابات حتى تشبه الضجيج، وتتناقص فيه الأفعال حتى تكاد تلامس فيه العدم، ينهض سؤال الصدق السياسي كحد فاصل بين من يحسن القول ومن يحسن الفعل. وفلسطين بجراحها المفتوحة_ليست مجرد قضية، بل ميزان أخلاقي ومعياري توزن به الدول: أترتقي إلى مستوى الالتزام، أم تكتفي بزخرف الكلام؟ هنا، عنوان هذا المفترق، تنكشف خرائط الاصطفاف وتتعرى ازدواجية المعاير. لقد بات واضحا أن بعض السياسات الرسمية في الإقليم تعيش مفارقة حادة: تدين بعبارات رنانة، وتراوغ حين يحين وقت ”التضامن" و”التفاعل"، وبين ”الإرادة" و”الإعانة", فتغدو اللغة غطاء أنيقا لعجز مزمن، أو لتردد مقنع. ومع كل تصعيد فوق ثرى فلسطين يتكرر المشهد ذاته: بيانات تتناسل، وأفعال تتضاءل، في المقابل تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها تجربة تؤكد_في نظر سواد أعظم من مؤيدي مواقفها المشرفة_ أن الاتساق ليس ترفا بل خيارا استراتيجيا. فمنذ انبثاق ثورتها، صاغت سردية قوامها الاستقلال والسيادة. ثم عملت على ترجمتها إلى منظومة قدرات وسياسات. لم تكتف برفع الشعارات بل سعت إلى بناء أدوات تسند تلك الشعارات الصائبة، من تطوير ذاتي، إلى إدارة للضغوط، إلى حضور إقليمي فاعل. وفي عين السياق، ينظر إلى مؤازرتها لقضايا المنطقة المحقة العادلة والقانونية وفي مقدمتها قضية الفلسطينية التي يقع عاتق تحريرها على الدول العربية أولا_ يوصف موقف عاصمة السجاد والزعفران وتكريم القرآن وآل البيت امتدادا لمنطق الاتساق بين القول والفعل. إذ تجاوز الموقف حدود التعاطف اللفظي إلى أشكال من الاستاذ السياسي، الإعلامي والعسكري، بما يعكس رؤية تعتبر أن القضايا العادلة لا تصان بالعبارات وحدها، بل تحتاج إلى مواقف تترجم إلى سياسات، ومن هنا، يتنامى لدى شرائح واسعة مؤشرها إلى تصاعد، تقدير وتوقير لهذا النمط من الثبات، حيث يقاس الفعل بأثره لا بصوته.
ولا يمكن إغفال حضور المقاومتان الباسلتان التحرريتان الفلسطينية واللبنانية ضمن هذا المشهد؛ إذ تمثل_في نظر الأحرار الأشراف من أنصارها_تعبيرا عن حق الشعوب في الدفاع عن أرضها وكرامتها وفق قواعد القانون الدولي. وقد أسهمت هذه التجارب في ترسيخ معادلات ردع شهد لها معظم العالم غيرت من طبيعة الصراع، وأعادت تعريف الممكن والمستحيل. بين جناس ”الصمود" و”الوجود" وبين طباق ”الاحتلال" و”الاستقلال" تتشكل سردية عنوانها أن الإرادة حين تسند بالقدرة، تحدث فارقا في موازين القوى. وهكذا يتجلى الفارق بين مسارين: مسار يحسن إدارة الصورة ويجيد تكييف اللغة مع المصلحة الآنية، ومسار يسعى_ بدرجات متفاوتة_ إلى مواءمة القيم مع السياسات. الأول يراكم البيانات، والثاني يراكم الأدوات؛ الأول يرضي اللحظة، والثاني يبني الأثر.
تبقى فلسطين_والأقصى وبيت لحم المباركين قلبها النابض_ميزانا لا يختل، توزن به الأقوال بقدر ما تختبر به الأفعال. وفي هذا الإمتحان، يسطع معنى الاتساق حين يقترن البيان بالبنيان، وحين تترجم المبادئ إلى سياسات ترى آثارها ولا تستعار ألفاظها. وهنا تتعاظم مكانة التجارب التي تصر على وصل الشعار بالمسار، وفي طليعتها عاصمة القرآن طهران التي رسخت_معادلة الثبات: رؤية تصاغ، وقدرة وموقف تصان ويصان. بين قداسة الأقصى وصرامة السيادة، يتحدد وزن الدول لا بما تقول، بل بما تترجم على أرض الواقع من وقائع، ومن جمع فصاحة اللسان إلى صلابة الأركان كتب حضوره بحبر الأثر، وترك في الوعي علامة لا تمحوها رياح المواسم.
مفكر وكاتب دمشقي في الغربة.