” بين أفول مشاريع الهيمنة وتصاعد ايقاع الصمود الشعبي، من الغامبيت إلى سيمفونية الردع، وتقدم جبهة المقاومة المحقة ضمن فضاء التوازنات الجيوسياسية، فوق منصة التدافع الدولي. فيما تعيد الجمهورية الإسلامية الإيرانية صياغة معادلات القوة بإخراج إستراتيجي يقرأ ما وراء خارطة الاشتباك ولا يخطئ نهاية اللعبة."
بتعريف آخر: ”من الكش إلى إسدال الستار، ومن التضحية التكتيكية إلى سيمفونية الصمود الأسطوري في مسرح السياسة، تبرز طهران بثقلها الحضاري والرمزي، كمركز ارتكاز في اعادة تشكيل معادلات الردع وخرائط التموضع الإقليمي. أو نستطيع القول؛ في إعادة لصياغة القوة في المنطقة، بما يصون حرمة شعبها وتحصين ترابها الوطني من اختلالات الجغرافيا السياسية."
في بانوراما العالم المتحركة حيث تتشابك دوائر النفوذ مع تضاريس المصالح، تتحول السياسة إلى فضاء مفتوح للمناورات والتوازنات. تتقاطع الفنون مع الاستراتيجيا في فضاء مركب، تتناوب فيه الأدوار بين ممثلين يرتدون أقنعة الدبلوماسية، وقطع تتحرك وفق قوانين ”الكش والكش ملك." هنا، لا تكتب الأحداث كوقائع صماء، بل ك ”سيناريو" متداخل، تسدل فيه الستائر وترفع أخرى، ويستمر الحدث الجيوسياسي في الانكشاف، حيث تتداخل الحسابات الاستراتيجية مع إرادة التوازنات الدقيقة.
في هذا الفضاء الواسع، تبدو السياسة كأنها فيلم طويل متعدد اللقطات، تتداخل فيه مشاهد"الأكشن" مع لحظات الترقب، تتحول فيه التموضعات إلى مناورات دقيقة تدار وفق حسابات بعيدة المدى. وهناك من يختار الهجوم المباشر وكأنه يسحب الستار عن مواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات.
وفي قلب اللوحة، تتصدر فكرة المقاومة بوصفها قوة مرنة تعيد ارباك موازين الاشتباك. تتحرك بحرية نسبية، تربك حسابات الخصوم و تفرض إعادة ترتيب الأوراق في كل اتجاه. ومن فلسطين وقدسية أرضها حيث تتجسد معادلة الصمود في غزة العزة والضفة الغربية الأبية كأحد أكثر فصول ” الكش المستمر" اشتعالا، إلى جنوب لبنان العظيم حيث تشكل المقاومة الأسطورية نموذجا في إدارة التوازن الردعي وإعادة تعريف الاشتباك، تتواصل فصول المشهد تبدو كأنها سلسلة نقلات لا تهدأ.
وفي اليمن وشعبه العريق الشقيق، تتخذ المقاومة هناك بعدا آخر من الصبر الاستراتيجي، حيث تدار المواجهة على نار هادئة أحيانا. بإيقاع محسوب لا يقود إلى الإنفجار. أما في عراقنا، أرض الحضارات فتظهر جبهة التصدي كشبكة توازنات داخلية وإقليمية تعيد ضبط ايقاع المشهد داخل شبكة متداخلة من الاصطفافات والمصالح والتوازنات المتحركة.
وفي سياق أرض الأبجدية الأولى، تبرز المقاومة الوطنية السورية لتحرير الجولان وسائر تراب الجنوب من رجس أقدام المحتل لثرى فلسطين كامتداد طبيعي لفكرة التحرير والتطهير، باعتبارها تعبيرا عن استمرار عدم إغلاق ملف الأرض الفلسطينية المغتصبة، وإبقاء ”الكش" مفتوحا في وجه واقع سياسي غير مستقر، ضمن سردية تعتبر أن الساحة لم تحسم بعد، وأن بعض المواقع ماتزال بانتظار إعادة التموضع التاريخي.
أما في قلب هذا التشابك، فتبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية كأحد الفاعلين الذين فرضوا حضورا إستراتيجيا ورؤيويا بوقت واحد متدرجا، قائما على تراكم النقلات المدروسة داخل رقعة معقدة. حيث تقرأ تحركاتها كإعادة تموضع داخل منظومة الردع، وكإسهام في إعادة تشكيل توازن القوى بعيدا عن منطق القطع الثابتة إلى منطق الحركة المستمرة.
وتتسع رقعة الجمهور، كأنها صالة عرض عالمية يتابع فيها المشاهدون مسرحا حيا، تتقاطع فيه الأضواء مع التعليقات، وتتحول كل حركة إلى ”لقطة إخراجية" دقيقة، وفي الخلفية، تحاول التشويش على توازن أرض النزال، بينما تستمر الجبهات المشرفة المؤازرة، في تشكيل ما يشبه ”عزفا جماعيا" داخل سيمفونية النصر، حيث تتداخل الأصوات كما تتداخل النقلات.
لغويا، يتخذ النص طابعا إعرابيا متشابكا: مبتدأ وإرادة، وخبره صمود، تتخلله جمل اعتراضية تشبه مناورات الشطرنج، مفردات بلاغية تدار كحركات دقيقة على رقعة المعنى. بين ”اسدال الستار" و ”رفع الستار" بين ”الكش" و ”الكش ملك" تتشكل جغرافيا رمزية تعكس صراع لا يقرأ فقط بالقوة، بل بالدهاء والتموضع.
وفي نهاية هذا المشهد المركب، لا يقاس الحدث بضجيج المنابر ولا بعناوين ”البروباغندا" العاجلة، بل بقدرة بعض القوى على إدارة الرقعة بصبر العارفين، ودهاء وذكاء الاعبين الكبار، حيث تأتي لحظة الحسم بهدوء إستراتيجي يعيد خلط حسابات الخصوم وايقاعات المشهد.
وبين نعيم التوازن وجحيم الفوضى، تبرز طهران كرقم صعب في معادلات الدفاع، استطاعت عبر تراكم النقلات، لا عبر الإنفعال، أن تفرض حضورها بجدارة على خشبةالسياسة الدولية، و هكذا يستمر محور الصمود، بإيقاعه المتداخل الممتد من فلسطين إلى اليمن والعراق ولبنان وسورية. وفي كل بقعة تدنسها قدم المحتل، عنوانا لمرحلة جديدة، يرفع فيها الستار عن زمن مختلف، تتراجع فيه أوهام الهيمنة والتوسع أمام إرادة الشعوب وإصرارها على انتزاع حقها في السيادة والكرامة والتاريخ. وتصبح الإرادة عنوانا لنقلة لا تهزم أو تهرم: { إن ينصركم الله فلا غالب لكم}." وفي خاتمة هذا المشهد المتداخل بين الرمز والواقع، تتبدى الجغرافيا السياسية لا كحتمية جامدة، بل كساحة مفتوحة لإعادة تعريف التوازنات وفق منطق ورد الفعل وصبر المدى الطويل. وبين تقلبات الستار وحركة الرقعة، يظل جوهر المعادلة مرهونا بقدرة الفاعلين على تحويل الضغط إلى موقع، والتحدي إلى تموضع، والإضطراب إلى مسار قابل للقراءة التي تعيد تشكيل المشهد من داخله، بعيدا عن الإنفعالات وقريبا من منطق التاريخ حين يكتب نفسه بهدوء وتروي. وهكذا، حين يهدأ ضجيج المشهد، تمضي طهران لا كرقم عابر في نشرات السياسة، بل كقوة جبارة تعيد تشكيل إيقاع المنطقة بهدوء الواثقين.
كاتب سوري مغترب.