بين شعب الله المختار وخير أمة أُخرجت للناس... كيف يصنع الإنسان وهم التفوق المقدس؟
مقالات
بين شعب الله المختار وخير أمة أُخرجت للناس... كيف يصنع الإنسان وهم التفوق المقدس؟
ا. خالد الحديدي / مصر
9 أيار 2026 , 12:34 م

بقلم خالد الحديدي/ مصر

ثمة لحظات في التاريخ لا تبدأ فيها الكوارث بالسلاح، بل تبدأ بالكلمات. تبدأ بمصطلح صغير يبدو بريئًا في ظاهره، ثم يتحول مع الزمن إلى وعي كامل، ثم إلى ثقافة، ثم إلى شعور خفي بالتفوق، ثم إلى طريقة في النظر إلى العالم والبشر والتاريخ. وربما لهذا السبب لا يمكن التعامل مع بعض المصطلحات الدينية باعتبارها مجرد عبارات عابرة داخل النصوص، لأن المصطلح حين يدخل الوعي الجمعي لا يبقى مجرد كلمة، بل يتحول إلى بنية نفسية وثقافية كاملة.

ومن هنا تبدو خطورة مصطلحات مثل (شعب الله المختار)، و(خير أمة أُخرجت للناس)، و(أبناء الرب)، و(الأمة الناجية، و“الفرقة الناجية)، وغيرها من التعبيرات التي أنتجتها الأديان أو التأويلات الدينية عبر قرون طويلة. فهذه المصطلحات، في أصلها الأول، لم تكن دائمًا دعوات للتفوق أو الإقصاء، بل ارتبطت في أحيان كثيرة بسياقات روحية وأخلاقية وتاريخية محددة. لكن الإنسان، كعادته، لا يكتفي بالمعنى الروحي، بل يحاول دائمًا تحويله إلى امتياز نفسي وتاريخي.

وهنا تبدأ المأساة.

فالإنسان لا يحب فقط أن يؤمن، بل يحب أيضًا أن يشعر أنه أفضل بسبب هذا الإيمان. وهذه نقطة شديدة الخطورة في تكوين الوعي البشري. لأن أغلب الناس لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن الطمأنينة، ولا يبحثون عن المعرفة بقدر ما يبحثون عن الشعور بالتفوق والانتماء. ولهذا تتحول النصوص أحيانًا من فضاء للتأمل الروحي إلى أدوات لصناعة الأنا الجماعية.

ومن يتأمل تاريخ البشر سيكتشف أن فكرة الاصطفاء ليست حكرًا على دين بعينه. فكل الحضارات تقريبًا صنعت لنفسها سردية تقول إنها مركز العالم. الإمبراطوريات القديمة كانت ترى نفسها تجسيدًا للإرادة الإلهية. بعض الشعوب كانت تعتبر نفسها (شعوب النور)، بينما تنظر إلى الآخرين باعتبارهم (برابرة). وحتى الحداثة الغربية، التي رفعت شعارات العقل والحرية، صنعت بدورها فكرة التفوق الحضاري، وتعاملت أحيانًا مع بقية العالم باعتباره أقل تطورًا وأقل إنسانية.

إذن نحن أمام نزعة إنسانية قديمة نزعة البحث عن مركزية الذات.

لكن حين تدخل هذه النزعة إلى الدين، تصبح أكثر تعقيدًا وخطورة، لأن الإنسان هنا لا يعود يتحدث باسم نفسه فقط، بل باسم المطلق، وباسم الحقيقة النهائية، وباسم الله ذاته. وهنا يتحول الاختلاف الفكري إلى صراع مقدس، ويتحول النقد إلى تهديد للعقيدة، ويتحول الآخر إلى خصم وجودي.

ومن هنا نفهم لماذا كانت أغلب الحروب الدينية في التاريخ شديدة القسوة. لأن الإنسان حين يقتل باسم المصلحة قد يتراجع، لكنه حين يقتل باسم الحقيقة المقدسة يشعر أحيانًا أنه يؤدي واجبًا أخلاقيًا.

وهذه واحدة من أكثر المفارقات رعبًا في التاريخ البشري.

فالدين الذي جاء في جوهره لتهذيب الإنسان، قد يتحول أحيانًا عبر التأويلات المغلقة إلى وسيلة لتبرير العنف أو التفوق أو الإقصاء.

وحين نتوقف أمام مصطلح مثل شعب الله المختار، سنجد أن المشكلة ليست في وجود الفكرة داخل سياقها التاريخي والديني، وإنما في الطريقة التي تم بها توظيفها سياسيًا وثقافيًا عبر الزمن. فالمعنى الأول ارتبط بالعهد والاختبار والمسؤولية، لكن بعض القراءات اللاحقة حولته إلى شعور دائم بالاستثناء، وكأن هناك جماعة فوق التاريخ، أو تمتلك حقًا إلهيًا حصريًا.

وهنا يتحول الاصطفاء من تكليف إلى امتياز.

وهذا التحول في غاية الخطورة، لأنه يصنع عقلًا يرى نفسه دائمًا على حق، ويرى الآخر دائمًا في موقع النقص أو الخطأ. ومع الزمن، لا يعود الإنسان بحاجة إلى مراجعة ذاته، لأنه يشعر أن مجرد انتمائه يمنحه حصانة رمزية وأخلاقية.

والمشكلة أن هذا النمط من التفكير لا يقتصر على جماعة واحدة أو دين واحد. ففي العالم الإسلامي، مثلًا، جرى أحيانًا التعامل مع مفهوم خير أمة أُخرجت للناس بطريقة شديدة الاختزال. فبدل أن تُفهم الخيرية باعتبارها مسؤولية أخلاقية مرتبطة بالفعل الحضاري والمعرفي والإنساني، تحولت عند بعض العقول إلى شعور نفسي بالتفوق المجاني.

مع أن النص القرآني نفسه كان واضحًا في ربط الخيرية بالفعل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان. أي أن الخيرية ليست هوية ثابتة، بل حالة أخلاقية متغيرة. أمة قد تكون خيرة حين تحقق العدالة والمعرفة والرحمة، وقد تفقد هذه الخيرية حين تتحول إلى أمة عاجزة عن مواجهة فسادها وتناقضاتها.

لكن العقل الأيديولوجي لا يحب الشروط، بل يحب الشعارات المطلقة.

ولهذا نجد أحيانًا مجتمعات غارقة في التخلف والاستبداد والعنف، لكنها تتحدث بثقة مدهشة عن كونها خير أمة. وكأن التاريخ كله يمكن اختزاله في شعار، وكأن الانهيار الحضاري لا قيمة له ما دام الشعور بالتفوق قائمًا.

وهنا تظهر أزمة خطيرة في بنية الوعي العربي والإسلامي أزمة الفصل بين الهوية والفعل.

فالإنسان قد يكتفي بالشعور الرمزي بالعظمة، بدل أن يصنع أسباب العظمة الحقيقية. وقد يتحول الدين إلى وسيلة لتعويض الهزيمة الحضارية نفسيًا، لا إلى قوة تدفع نحو التغيير والنقد والإبداع.

ومن زاوية الحفر الثقافي الجدلي، يمكن النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها شكلًا من أشكال الدفاع النفسي الجماعي. فالجماعات التي تعاني من أزمات تاريخية أو هزائم حضارية، كثيرًا ما تلجأ إلى تضخيم فكرة الاصطفاء كي تعوض شعورها الداخلي بالضعف أو القلق.

ولهذا نلاحظ أن خطاب التفوق الديني أو الحضاري يزداد غالبًا في لحظات الانكسار، لا في لحظات القوة الحقيقية.

فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج طوال الوقت إلى ترديد أنه الأفضل. أما الإنسان القلق، فيبحث دائمًا عن أي خطاب يمنحه شعورًا بالتماسك والتفوق الرمزي.

ومن هنا تتحول بعض النصوص إلى ملاذ نفسي أكثر منها مشروعًا أخلاقيًا.

وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن كثيرًا من الناس لا يستخدمون الدين لكي يغيروا أنفسهم، بل لكي يحموا صورتهم عن أنفسهم. أي أنهم لا يذهبون إلى النص بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عن تأكيد مسبق لما يريدون تصديقه.

ولهذا تتراجع الأسئلة، ويختفي النقد الذاتي، ويصبح أي تفكير مختلف نوعًا من التهديد.

والأخطر من ذلك، أن الإنسان حين يشعر أنه مختار أو أفضل، يبدأ تدريجيًا في فقدان حساسيته الأخلاقية تجاه الآخرين. لأنه يرى نفسه مركزًا للحقيقة، ويرى المختلف باعتباره أقل قيمة أو أقل قربًا من الله أو أقل استحقاقًا.

وهكذا يبدأ العنف الرمزي أولًا، ثم يتحول أحيانًا إلى عنف واقعي.

فكل عنف كبير في التاريخ سبقه دائمًا تصور ذهني يجعل الآخر أقل إنسانية أو أقل قيمة أو أقل حقًا في الوجود.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله فكرة الاصطفاء حين تُفهم بصورة مغلقة، هو أنها تخلق إنسانًا لا يرى نفسه مجرد فرد بين البشر، بل ممثلًا للحقيقة المطلقة.

وهنا يصبح الحوار صعبًا.

لأن من يعتقد أنه يمتلك الحقيقة النهائية، لن يرى في الاختلاف فرصة للفهم، بل خطرًا يجب مقاومته.

وربما لهذا السبب تعثرت مشاريع الإصلاح الديني طويلًا في العالم العربي والإسلامي. لأن جزءًا من الأزمة لم يكن متعلقًا بالنصوص نفسها، بل بالعقل الذي يقرأها. عقل يخشى السؤال، ويعتبر النقد تهديدًا، ويخلط بين قداسة النص وقداسة تفسيره البشري.

ولهذا أعتقد أن المشكلة الكبرى ليست في الدين، بل في تحويل الدين إلى هوية مغلقة.

فالدين في جوهره سؤال أخلاقي وروحي عميق، لكنه يتحول أحيانًا داخل المجتمعات إلى جهاز نفسي لإنتاج التفوق الجماعي. وهنا يفقد معناه الحقيقي.

لأن القيمة الحقيقية لأي إيمان لا تظهر في عدد الشعارات التي يرفعها الإنسان، بل في قدرته على أن يصبح أكثر عدلًا ورحمة ووعيًا. أما حين يتحول الإيمان إلى مجرد شعور بالتفوق، فإنه يفقد جوهره الأخلاقي، ويتحول إلى صورة أخرى من صور الأنا.

وهنا تحدث المفارقة الكبرى الإنسان يظن أنه يدافع عن الله، بينما هو في الحقيقة يدافع عن صورته الخاصة، وعن حاجته النفسية إلى الشعور بالأفضلية.

وربما لهذا السبب تحديدًا، كان أكثر الأنبياء والمصلحين الحقيقيين تواضعًا، وأكثرهم خوفًا من الغرور الروحي. لأن أخطر أنواع الغرور ليس الغرور بالمال أو السلطة أو المعرفة، بل الغرور الديني. فالإنسان قد يراجع نفسه حين يخطئ في السياسة أو العلم، لكنه نادرًا ما يراجع نفسه حين يعتقد أنه يتحدث باسم السماء.

ومن هنا تصبح المراجعة صعبة.

لأن أي نقد سيفهم باعتباره اعتداءً على المقدس، لا محاولة للفهم.

ولهذا فإن المجتمعات التي تتوقف عن نقد ذاتها باسم الخيرية أو الاصطفاء، تدخل تدريجيًا في حالة جمود حضاري. لأنها تستبدل الفعل بالشعار، والمعرفة باليقين، والتاريخ بالأسطورة.

وأظن أن الإنسانية اليوم في حاجة شديدة إلى إعادة قراءة هذه المفاهيم بعيدًا عن منطق التفوق والامتياز. ليس بهدف إلغاء النصوص أو إنكار التراث، بل بهدف استعادة المعنى الأخلاقي العميق للدين.

فأي خيرية لا تنعكس في العدل والرحمة والمعرفة، ليست خيرية حقيقية.

وأي اصطفاء لا يجعل الإنسان أكثر تواضعًا ومسؤولية، يتحول إلى خطر على الإنسان نفسه وعلى العالم.

وربما كانت الأزمة الكبرى في تاريخ البشر، أن كثيرين أحبوا فكرة أن يكونوا على حق أكثر من حبهم للحقيقة ذاتها.

ولهذا امتلأ التاريخ بالحروب المقدسة، والمذابح المقدسة، والكراهية المقدسة.

بينما كان العالم يحتاج فقط إلى بشر أكثر إنسانية.

وفي النهاية، أعتقد أن الله لا يحتاج إلى جماعات تتصارع لإثبات أنها الأقرب إليه، بقدر ما يحتاج العالم إلى بشر أقل غرورًا، وأكثر رحمة، وأكثر قدرة على رؤية الإنسان داخل الإنسان، لا الهوية فقط.

فحين يتحول الدين إلى أداة للتفوق، يفقد معناه، وحين يتحول إلى طريق لفهم الإنسان وحدوده وضعفه ومسؤوليته، يصبح نورًا حقيقيًا.

وربما هنا تحديدًا تبدأ الرحلة الأصعب أن يؤمن الإنسان دون أن يشعر أنه أفضل من الآخرين.

كاتب وناقد وباحث/ مصر