اكتشف فريق دولي من العلماء 280 منشأة حجرية دائرية في منطقة أتباي الجبلية الواقعة على الحدود الشرقية للصحراء الكبرى ، في خطوة قد تسهم في فهم طبيعة المجتمعات الرعوية القديمة التي عاشت في أفريقيا قبل آلاف السنين.
واعتمد الباحثون على تقنيات الاستشعار عن بُعد عبر الأقمار الصناعية لرصد هذه المنشآت، التي عُثر عليها بالقرب من مصادر المياه في المناطق الصحراوية الوعرة.
منشآت جنائزية ضخمة تعود لآلاف السنين

بحسب الدراسة المنشورة في مجلة African Archaeological Review، فإن هذه المنشآت تُعرف باسم “مدافن أتباي الحجرية”، وهي هياكل دائرية يتراوح قطرها بين 5 و82 مترا.
وأشار الباحثون إلى أن هذه الدوائر الحجرية تنقسم إلى عدة أنماط معمارية، إذ إن معظمها مغلق بالكامل، بينما يحتوي بعضها على مدخل واحد فقط. كما تختلف طريقة توزيع المدافن داخلها، فبعضها يتخذ شكل دوائر مركبة، في حين تتمركز مدافن أخرى حول قبر بشري تحيط به قبور لحيوانات.
جهود جماعية لبناء المنشآت
أوضحت الدراسة أن بناء منشأة متوسطة الحجم بقطر يصل إلى نحو 60 مترا كان يتطلب جهدا جماعيا كبيرا. وقدّر العلماء أن شخصا واحدا سيحتاج إلى 161 يوم عمل، بمعدل ثماني ساعات يوميا، لإتمام بناء هيكل واحد فقط.
ويرى الباحثون أن هذا الحجم من العمل يعكس وجود تنظيم اجتماعي وتعاون بين أفراد المجتمعات الرعوية القديمة.
العلاقة بين المدافن ومصادر المياه
أكد الباحث الأثري جوليان كوبر من جامعة ماكواري الأسترالية أن مواقع هذه المدافن لم تكن عشوائية، إذ بُنيت في مناطق تسمح بالوصول السهل إلى المياه، بدلا من انتشارها عبر أنحاء الصحراء.
وأشار إلى أن اختيار هذه المواقع يدعم فرضية وجود مجتمعات بدوية رعوية اعتمدت على تربية الماشية، حيث كانت هذه المناطق مناسبة للرعي وسقي الحيوانات.
أدلة على تربية الماشية في الصحراء القديمة
أظهرت التحليلات الأثرية العثور على بقايا بشرية وأخرى تعود لأبقار داخل بعض المنشآت، بما في ذلك أكبر موقع احتوى على رفات نحو 18 رأسا من الماشية.
ويرى العلماء أن هذه النتائج تؤكد اعتماد سكان شرق الصحراء خلال فترتي الهولوسين الأوسط والمتأخر على تربية الأبقار كمصدر أساسي للحياة والمعيشة.
تغير المناخ وراء هجرة المجتمعات القديمة
أشارت الدراسة إلى أن التغيرات المناخية وازدياد الجفاف والتصحر في المنطقة أجبرت المجتمعات الرعوية تدريجيا على الهجرة نحو مناطق أكثر ملاءمة للحياة.
كما لفت الباحثون إلى وجود منشآت مشابهة في مناطق أفريقية أخرى، من بينها منشآت دائرية في جيبوتي وما يُعرف بـ”القبور البوصلة” في ليبيا، ما قد يشير إلى وجود تقاليد جنائزية مشتركة بين مجتمعات الصحراء القديمة.