بقلم ( عباس المعلم )
من يختزل الحرب الدائرة في لبنان اليوم بمشهد الدمار وحده، أو بعدد الشهداء والجرحى فقط، إنما ينظر إلى الصراع بعين مجرّدة من التاريخ والسياسة وفهم طبيعة الحروب غير المتكافئة. هذا النوع من القراءة السطحية لا يفرّق بين دولة احتلال تمتلك واحدة من أعقد المنظومات العسكرية والاستخبارية والتكنولوجية في العالم، وبين مقاومة تعمل ضمن بيئة محاصرة، بإمكانات محدودة، وتحت ضغط نارٍ مفتوح يمتد من الجو إلى البر والبحر والاقتصاد والإعلام والنفس البشرية.
إنّ المقارنة بين مقاومة وقوة احتلال لا تُقاس بحجم الأبنية المدمّرة، لأنّ الاحتلال بطبيعته يمتلك فائض قدرة تدميرية هائلًا. “إسرائيل” ليست مجرد جيش تقليدي، بل منظومة عسكرية مدعومة أميركيًا وغربيًا على أعلى المستويات التقنية واللوجستية، تمتلك تفوقًا جويًا مطلقًا، وأقمارًا صناعية، ومنظومات تجسس ومراقبة واغتيال، وموازنات دفاعية واستخبارية تتجاوز موازنات دول كاملة في المنطقة. وهي تقاتل مدعومة بأحدث ما أنتجته الصناعات العسكرية الغربية، وبغطاء سياسي وإعلامي ودبلوماسي دولي شبه مفتوح.
في المقابل، فإنّ أي مقاومة تواجه هذا النوع من القوى لا تدخل الحرب أصلًا من بوابة “التكافؤ المادي”، بل من بوابة الإرادة والقدرة على منع الاحتلال من تحويل تفوقه العسكري إلى استسلام سياسي كامل. هنا تكمن النقطة الجوهرية التي يتجاهلها كثيرون: وظيفة المقاومة ليست منع العدو من القصف بشكل مطلق، لأنّ هذا أمر يرتبط بفارق هائل في الإمكانات، بل منع الاحتلال من فرض مشروعه وهيمنته وإخضاع الشعوب لإرادته النهائية.
ولهذا السبب تحديدًا، فإنّ معيار الحكم الحقيقي لا يكون بالسؤال: “كم حجم الدمار؟”، بل بالسؤال الأخطر والأعمق: هل بقي هناك من يرفض الاحتلال؟ هل بقيت قوة تمنعه من التحول إلى قدر دائم ونهائي؟ هل بقيت جهة قادرة على استنزافه، وإرباكه، وحرمانه من الشعور بالأمن الكامل، وإسقاط صورة الجيش الذي لا يُقهر؟
التاريخ نفسه يقدّم شواهد قاسية وواضحة على هذه الحقيقة. فكلّ احتلال واجه شعوبًا استسلمت بالكامل، نجح في إعادة تشكيل تلك المجتمعات سياسيًا وثقافيًا وأمنيًا لعقود طويلة. فرنسا لم تخرج من الجزائر لأنّ ميزان القوة انقلب عسكريًا لصالح الجزائريين، والولايات المتحدة لم تهزم في فيتنام بسبب خسارة القدرة العسكرية، والاتحاد السوفياتي لم يغادر أفغانستان لأنه أصبح أضعف ميدانيًا من خصومه. ما أسقط مشاريع الاحتلال في كل تلك التجارب هو استمرار حالة الرفض، وتحول كلفة السيطرة إلى عبء استراتيجي دائم.
أما حين يغيب الرفض والمقاومة، فإنّ الاحتلال لا يكتفي بالأرض. هو يبدأ أولًا بالسيطرة الأمنية، ثم يتدخل في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والثقافة، وصولًا إلى إعادة تشكيل وعي الأجيال نفسها. الاحتلال لا يريد فقط حدودًا آمنة، بل يريد شعوبًا مروّضة تخاف حتى من فكرة الاعتراض. ولذلك فإنّ أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي أمة ليس الهزيمة العسكرية، بل التكيّف النفسي مع الهزيمة، وتحويل الاستسلام إلى “واقعية سياسية”.
لا أحد يملك حدًا أدنى من الإنسانية يمكنه أن يشاهد مشاهد المجازر والدمار في جنوب لبنان أو غزة أو أي ساحة مواجهة من دون ألم وغضب. لا أحد يمكنه التقليل من وجع الشهداء والجرحى والمهجّرين، ولا من حجم الكارثة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية الناتجة عن الحروب. لكن استخدام هذه التضحيات لإنتاج خطاب يدعو عمليًا إلى نزع أسباب القوة والرفض، هو أخطر انزلاق يمكن أن تصل إليه المجتمعات تحت ضغط النار والخوف.
المشكلة الحقيقية في لبنان أنّ أجيالًا كاملة نشأت وهي تنظر إلى المقاومة بمنطق “الربح والخسارة” المادي المباشر، وكأنّ الصراع مع الاحتلال مجرّد ميزانية حسابات أو مقارنة أرقام. هذه الأجيال لم تعش فعلًا معنى أن تكون شعوبًا بلا قدرة على الرفض، ولم ترَ كيف تتحول الدول المستسلمة إلى ساحات مستباحة سياسيًا وأمنيًا وثقافيًا لعقود طويلة. لم تختبر بعد معنى أن يصبح قرار الحرب والسلم والسياسة والاقتصاد وحتى الهوية الوطنية بيد الخارج بالكامل.
ولو أنّ هذه الأجيال عاينت فعلًا نتائج الاستسلام الكامل، ورأت كيف تُسحق الشعوب حين تفقد إرادة المقاومة، لأدركت أنّ وجود مقاومة — مهما كانت التضحيات — يبقى أقل كلفة بكثير من التحول إلى مجتمع منزوع الإرادة والسيادة والكرامة.
وفي لحظات التحولات الكبرى، لا يُسأل التاريخ عمّن امتلك الطائرات الأكثر تطورًا، بل عمّن بقي واقفًا رافضًا رغم كل شيء. لأنّ الأمم لا تسقط حين تُقصف فقط، بل تسقط يوم تقتنع بأنّ المقاومة بلا جدوى، وأنّ الاحتلال قدر لا يمكن مواجهته. وذلك تحديدًا هو الانتصار الأخطر الذي يسعى إليه أي احتلال قبل السيطرة على الأرض: احتلال العقول وكسر إرادة الرفض.
عباس المعلم - كاتب سياسي