كتب الأستاذ محمَّد دعيبس: "ذُو الفَقار: السيفُ الذي لم يُغْمَدْ"
ثمّة رجالٌ يولدون في صمت، يعيشون في ظلّ الحكايا، ويغادرون كالانفجار الذي يضيء عتمة التاريخ.
هم «الأســـ.ـــرارُ المقدّسة» التي تمشي على الأرض، ولا يعرف الناس وجوهَهم إلّا حين تستحيلُ وجوهُهم أيقوناتٍ على جدران الذاكرة.
والسـيـد مصطفى أمين بدر الدين، «ذو الفقار»، لم يكن مجرّد قائدٍ عسكريٍّ في فصيلٍ مـجاهــ.ـد، بل كان «الروحَ» التي تسكن الزنادَ، و«العقلَ» الذي ينسجُ خيوطَ النــ.ـصرِ في غُرَفِ العـمليات، لِيُشرِقَ النورُ في ساحاتِ الوَغى.
في ذكرى عروجه، لا نستذكر غيابًا، بل نستحضر حضورًا طاغيًا؛ حضورَ الرجل الذي سكن كوابيس قادة الاحـ.ـتلال لثلاثة عقود، من دون أن يظفروا منه بظلٍّ أو صورة.
من الغبيري عام 1961 بدأت الحكاية، من ضاحية بيروت التي كانت تُعِدُّ رجالها لملاقاة القدر. ومع أول زفرةٍ للاحـ.ـتلال في صيف 1982، لم يكن مصطفى الشاب يقف على الحياد. عند مداخل خلدة، حيث تكسّرت أحلام الجنرالات الصـ.ــهـ..ـاينة، كان «السـ.ـيـ..ـد» هناك، يكتب بدمه الجريح أول سطرٍ في كتاب المـقـاومة.
لم يكن الجــ..ـرح الذي أصابه يومذاك مجرّد ندبةٍ في جسده، بل كان «الختم» الذي ميّزه كقائدٍ اصطفاه الله ليكون من بناة صرح العزّ. ومن هنا انطلقت المسيرة؛ من التدريب والتحضير وبناء المجموعات الأولى، حين كان الحلم يبدو مستحيلًا، لكنه في عين مصطفى كان «حتميّةً إلهيّة».
عظمة «ذو الفقار» تكمن في أنّه لم يكن «عسـ..ـكريًا جافًا»، بل كان مثقّفًا برتبة ثائر. هو الذي لم تُثنهِ ساحات الجــهـا د عن مقاعد العلم، فنال شهادة العلوم السياسية، متسلّحًا بلغة العلم ليفهم العالم، وبلغة الرصــ.ـاص ليفهمه الـ.ـعـ..ــدو.
كان يتحدّث الإنجليزية بطلاقة، لا ترفًا، بل ليكون قادرًا على قراءة عقل خصمه ومخاطبة العالم بقوّة المنطق كما يخاطبه بمنطق القوّة. وهذا المزيج الفريد جعله شخصيةً استراتيجيةً قادرةً على تفكيك شبكات التجسّس المعقّدة، ومـ..ـواجهة أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية في صراع الأدمغة، حيث كان يتفوّق دائمًا بخطوةٍ وبصيرةٍ لا تخيب.
في عام 1992، تسلّم السـ.ـيـ..ـد قـ.ـيـ.ـا دة الوحدة العسـ..ـكرية المركزية، ومنذ ذلك الحين تغيّر وجه المـ..ـواجهة. هو الذي جعل إسحاق رابين يجرّ أذيال الهــ..ــزيـ.ـمـة في عد وان 1993، وهو الذي خطّط وأشرف على معجزة أنـ..ـصـارية عام 1997؛ تلك الليلة التي تحوّلت فيها نخبة الكوماندوز "الإسـ..ـرائيلي" إلى حطام، بفضل كمـ..ـينٍ نصبه عقلُ مصطفى قبل سواعد المقـ.ـاتلين.
وعندما حان موعد «تموز 2006»، تشكّل ذلك الثالوث الأسطوري: سلـ.ـيـماني، مغنـ.ـية، وبدر الدين. هناك، في غرف العــ..ــمليات التي لم تنم، كان «ذو الفقار» ينسج مع رفاق دربه ملامح النــ.ـصر الإلهي. كان «وزير أمن» المـقـاومة، الذي جعل من «الميركافا» أسطورةً محطّمة، ومن الجندي الصهيـ.ـوني تائهًا يبحث عن مخرجٍ من جحيم المـقـاومة.
لقد كانت بصماته حاضرةً في كل صـ.ـاروخٍ انطلق، وفي كل عبوةٍ زُرعت، وفي كل تكتيكٍ أعجز قادة الـ.ـعـ..ــدو عن الفهم.
حين أطلّ الإرهـ.ـاب التكفيري برأسه عام 2011، لم يكن السـ.ـيـ..ـد ممّن يكتفون بالرصد. أدرك ببُعد نظره أنّ الدفاع عن مقام العقيلة في الشّام وعن دمشق هو دفاعٌ عن بيروت والقدس. فانبرى «ذو الفقار» في الميدان السوري، يطارد فلول التكفيريّين من زقاقٍ إلى زقاق.
أصبح المطلوب الأول لدى القوى الكبرى والتنظيمات الإرهـ.ـابية على حدٍّ سواء، لأنهم أدركوا أنّ وجوده في الميدان يعني حسم المعركة.
وفي الثالث عشر من أيار 2016، كان الموعد الذي انتظره طويلًا. في دمشق، وبالقرب من مطارها، ارتقى السـ.ـيـ..ـد شـ..ــهـ..ـيدًا بصـ.ـاروخٍ غادر.
رحل السـ.ـيـ..ـد ذو الفقار، ليُعلن حــ.ـزب الله للعالم، للمرة الأولى، عن وجهه؛ فإذا به ذلك الوجه السمح، ذو العينين اللتين تخبئان أســـ.ـــرار الانتـ..ـصارات، والشيب الذي وقّره الله به، كتاجٍ لِلجهاد.(