من “PAX AMERICANA” إلى “PAX JUDAICA”: كيف نسفت أمريكا وإسرائيل القانون الدولي لفرض شرق أوسط بالقوة؟
مقالات
من “PAX AMERICANA” إلى “PAX JUDAICA”: كيف نسفت أمريكا وإسرائيل القانون الدولي لفرض شرق أوسط بالقوة؟
عدنان علامه
15 أيار 2026 , 13:09 م

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

لم تعد تصريحات بنيامين نتنياهو حول الحرب على إيران مجرد رسائل ردع أو استعراض سياسي، بل تحولت إلى إعلان صريح، عن طبيعة المشروع الجاري فرضه، على الشرق الأوسط بالقوة العسكرية.

فعندما يقول نتنياهو: "لو لم نشن الحرب على #إيران مرتين لواجهنا كيانا يمتلك قنبلة نووية ويمثل تهديدا وجوديا لنا"؛ فهو لا يتحدث فقط عن مواجهة عسكرية، بل عن إعادة تشكيل النظام الإقليمي وفق عقيدة جديدة قوامها: احتكار القوة، ونسف القانون الدولي، وإخضاع المنطقة بالكامل للهيمنة الأمريكية ـ الإسرائيلية.

والمفارقة الكبرى أن إسرائيل،" الكيان" الوحيد في المنطقة الذي يمتلك ترسانة نووية خارج أي رقابة دولية أو توقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي، ويحاول نتنياهو تسويق إيران باعتبارها "الخطر النووي الوجودي" .

بينما الواقع القانوني والسياسي يقول، إن إيران خضعت لسنوات طويلة لأقسى أنظمة التفتيش الدولية، بموجب الاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن 2231، بعد مفاوضات شاقة مع دول الـ(5+1).

لكن واشنطن، بقيادة ترامب وبتاريخ 08 أيار/ مايو 2018، نسفت الاتفاق بإرادة سياسية تتجاوز مجلس الأمن والقانون الدولي، لتبدأ بعدها مرحلة الحصار والاغتيالات والحروب المفتوحة.

فما جرى لاحقًا، كشف أن الهدف لم يكن البرنامج النووي الإيراني بحد ذاته، بل إسقاط إيران كعقبة أمام النظام الإقليمي الجديد.

لذلك تحولت العقوبات إلى حرب اقتصادية شاملة، ثم إلى عدوان عسكري مباشر في 28 شباط/فبراير 2026 تحت شعار "منع الخطر النووي" ، بينما الهدف الحقيقي كان تفكيك الدولة الإيرانية، وضرب محور المقاومة بأكمله.

والأخطر أن اغتيال المرجع والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، تم وسط صمت أممي ودولي فاضح، بما كشف إنهيار منظومة القانون الدولي أمام منطق القوة الأمريكية ـ الإس. رائي.لية.

وهذا المسار نفسه يتكرر في لبنان؛ فبعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 لتنفيذ القرار 1701، لم تلتزم إسرائيل بأي من تعهداتها بوقف العمليات العدائية وحتى اليوم، بل واصلت الإحتلال والاغتيالات والتدمير الممنهج للقرى الحدودية. وبدل أن تضغط واشنطن وباريس لتنفيذ الاتفاق، تحول الموفدون الأمريكيون، والتصريحات الغربية إلى أدوات ضغط على الدولة اللبنانية، لنزع سلاح المقاومة حتى بوجود الاحتلال.

وهنا تتجلى معادلة خطيرة: المطلوب ليس تطبيق القرار 1701، بل تجريد لبنان من أي قوة ردع تمهيدًا لفرض وقائع جيوسياسية جديدة. ولذلك جرى الدفع نحو قرارات حكومية تصف المقاومة بأنها "خارجة عن القانون" ، رغم أن الدستور اللبناني والقانون الدولي نفسه، يكرّس حق الشعوب بمقاومة الاحتلال.

والأخطر أن هذا المسار ترافق مع تدمير أكثر من 30 قرية حدودية وتسوية مناطق كاملة بالأرض تحت ذريعة "المنطقة العازلة"، بينما المؤشرات الميدانية توحي بمشروع تغيير ديموغرافي طويل الأمد يمهّد لوقائع استيطانية مستقبلية.

والتأكيد على ما أقول صرّح إيتمار بن غفير اليوم : "لدينا خطة للإستيطان في لبنان، ولدينا أيضا خطط لتشجيع هجرة سكان غزة والضفة الغربية، يجب محو خطوط مناطق A وB وC، فالأرض كلها لنا" .

وأما الحديث الأمريكي والإسرائيلي عن "الدفاع عن النفس"، فيسقط أمام حجم الدعم العسكري الهائل الذي تدفق إلى إسرائيل.

فالجسور الجوية والبحرية التي تحدثت عنها تل أبيب نفسها — أكثر من ألف طائرة شحن و160 سفينة من 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 حتى 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، ثم 403 الطائرات و10سفن في شهري آذار ونيسان 2026.

وهذا الدعم اللامحدود، يكشف أن واشنطن ليست وسيطًا، بل شريكًا كاملًا في العدوان وإعادة هندسة المنطقة بالنار.

وفي المقابل، يتم تقديم كل من إيران، وحزب الله، ومحوري اليمن والعراق باعتبارهم "العقبات الأخيرة" أمام النظام الإقليمي الجديد.

ولذلك تتكامل الحرب الإعلامية مع العقوبات والإغتيالات والحصار والعمليات العسكرية تحت عنوان واحد: "إزالة كل قوة ترفض الخضوع للمشروع الأمريكي ـ الإس.رائي.لي" .

وإنَّ أخطر ما في المرحلة الحالية ليس فقط حجم الدمار، بل سقوط القواعد التي حكمت العلاقات الدولية، منذ الحرب العالمية الثانية.

فمجلس الأمن مشلول، والقانون الدولي يُطبّق انتقائيًا، وحق الدفاع عن النفس أصبح حكرًا على إس.رائي.ل، بينما تُدان الشعوب والدول عندما تدافع عن نفسها.

وما يجري اليوم ليس مجرد صراع حدودي أو مواجهة أمنية، بل محاولة لإقامة شرق أوسط جديد بالقوة العسكرية، تقوده واشنطن ماليًا وسياسيًا، فيما تتحول إسرائيل إلى ذراعه العسكرية الضاربة.

إنه انتقال تدريجي من “PAX AMERICANA” إلى ما يمكن تسميته بـ “PAX JUDAICA”، حيث يُعاد رسم توازنات المنطقة على أنقاض الدول والجيوش والمجتمعات، وبمنطق أن من يملك القوة يملك الحق.

لكن التاريخ يثبت أيضًا أنَّ الأنظمة التي تُبنى بالكامل على القهر والحروب والهيمنة المطلقة قد تفرض وقائع مؤقتة، لكنها تزرع في الوقت نفسه بذور الانفجار الأكبر.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

15 أيار/مايو 2026