بيننا وبين "إسرائيل" ثأر طويل: جُثَثٌ وأشلاءٌ ونهرُ دِماء، بكاء وأنين وعويل، وذاكرةُ مكانٍ عصيٌّ على الأعداء..
قبلُ، كانت حروبُ العدوِّ على أرضنا وشعبنا عابرة قبلَ أن يقرِّرَ اغتيالَ الذّاكرة.
نستغربُ كُلُّنا، لماذا تُفَخَّخُ القُرى وتُبَادُ عن بِكْرَةِ أَبِيها؟
ولماذا يحتفلُ الجنودُ بقتلِ بيوتٍ خاليةٍ مِنْ أهليها؟
فيما، يَعتَبِرُ قتلَ البيوتِ الَّتي لم يترُكْها أصحابُها، هدَفاً أسمى لَهُ، وهو العَدُوُّ المُجرِمُ الحاقِدُ على البشرِيَّةِ كّلِّها.
أيُّ إنجازٍ هوَ هذا، لِجَيْشٍ يَدَّعي الحِرَفِيّةَ والتّفوّقَ والِانتِظام؟
ولماذا التّباهي والتّفاخرُ بِهذا الإجرام؟!
هؤلاءِ اللُّقَطاءُ، جنودُ كِيانٍ بِلا ذاكرة، إذْ لا تربطُهم بأرضِ فلسطين أجداثُ أجدادٍ ولا أمجادُ أسياد، هؤلاءِ يعيشونَ عُقدةَ الانتماءِ إلى أرضٍ لا تنتمي إلى عقيدتِهم التّلمودِيَّةِ، ولا إلى عُقَدِهِمُ النّفسيّةِ والتّاريخيّة.
إنَّهُم بَحَثوا، و يبحثونَ عن أثرٍ في الأرض ِيُثْبِتُ زَعْمَهُمُ الزّائفَ، فلا يجدون، ويحاولونَ، منذُ إقامةِ كيانهم، توثيقَ فُتاتِ حجرٍ أثريٍّ، أو حتّى رسمٍ أحفوريٍّ يدلّ على حقّهم في وجودهم على أرضنا، لكنَّهُم عبثًا يحاولون!
أمّا نحنُ، فهٰذي الأرضُ أرضُنا.. مهوى قُلُوبِنا ومسقطُ رؤوسِنا وملعَبُ نشأتِنا الأولى، وبدايةُ ذاكرَتِنا، ونِهايةُ وَعْيِنا، هذي الأرض هُوِيَّتُنا وصورتُنا وصوتُنا وصَمْتُنا، ومِنها حياتُنا، وفيها مَوْتُنا.
نحنُ موزّعون: أيّامًا وأحلامًا في تفاصيلِ قُرانا، في زواريبِ حاراتِها وعلى جدرانِ بيوتِها وبينَ سنابلِ قمْحِها، وتحتَ أشجارِ تِينِها وزيتونِها،وفي مرارةتبغها وحلاوةِ عِنَبِها وفَيْءِ دَوالِيها، ووحْلِ حقولِها وصفاءِ ينابِيعِها.
نحنُ خُطىً هاربةٌ على دربِ العينِ وساحةِ البيدرِ وحيِّ البِركةِ، وضِحكاتٌ دافئةٌ في أحضانِ الجَدّاتِ حولَ مواقدِ الشّتاء، وحكاياهُنَّ المنقولةِ عن وعن وعن، وُصُولًا إلى ألفِ عامٍ وعامٍ، منَ الحُبِّ والحربِ على هذه الأرضِ الحرام..
ونحنُ صدى مواويلِ العتابا والميجانا، وزغردةِ النّساءِ في الأعراس، وهدْرَةِ خَبْطِ الأقدامِ على إيقاعِ "المُجْوِزِ"، وإلْفَةُ الأصابعِ المشبوكةِ في حلقاتِ الدّبكة، وتحدِّي أراجيزِ المحبّةِ بين أهلِ العريسِ وأهلِ العروس.
في جبّانات قرانا صار رميمُ عِظامِ موتانا مكاحلَ عيونِ الزّمان.
أصولُنامسجاةٌفي القبورِ،وفروعُنا وحنينُنا ودموعُنا ومواعيدُ انتظارِنا إلى آخرِ مثوانا.
هذا جنوب السيِّد موسى الصّدر الّذي أراده صخرةً تتحطّمُ عليها مشاريعُ الصّهاينة، هذا جنوبُ السَّيِّد حسن نصرالله الّذي أرادَهُ مقبرةً لِدبّاباتكم وأوهامِكم، جنوبُ نبيه برّي حيث نزرعُ فيه أجسادَنا، ليَكون الحصادُ ثمارَ التّنميةِ والتّحريرِ والحرّيّة.
والجنوب، هو جنوب أبي ذرّ، الصّحابيّ العربيّ الأبيّ، آخرُ حصونِ العرَبِ والعروبةوالوطنيّة في مواجهةِ وَهْمِ"إسرائيلَ الكُبرى" الّتي تهدِّدُ كُلَّ العربِ، وهُم يعلمون!
فلا غرابة أن ينتقموا منّا، من كلّ طفل غنّى وكلّ شيخ أنَّ، ومن اللّيمون والأُقحوان والطّيّون وشقائق النّعمان والسّنديان والبيلسان، ومن النّحل والعصافير والفراشات، والبحر والنّهر والجداول والسّهول والتّلالِ والأوديةِ والخِلال..
فلن تقتلوا المكان ولن تمسحوا الذّاكرة، ومِنّا رجالٌ في الميدان ثابتون صامدون، كتِلالِ الجنوبِ وجبالِه، ويُرَتِّلونَ آياتِ الصمودِ بالصّواريخِ والمسيّراتِ والبنادق، هُم ملوكُ الأرضِ وليسوا بيادقَ في لُعبَةِ الأُمم، ولَوْ رَجَمَهُم بِالإفكِ ألفُ وَثَنٍ وصَنَم!
سنعودُ يا جنوبُ حامِلِينَ ذاكِرَتَنا مَعَنا، ونحنُ نُعِيدُ ترتيبَها وتَرْتِيلَها وتعليمَها لِأَجْيالِنا القادِمة.
سنعودُ يا جَنوبُ مُفْعَمِينَ بالأملِ، ونَبْقى حِصْنَ لُبنانَ وحُبَّه... ومِنَ الحُبِّ ما قَتَل!