ترامب يريد التهدئة… ونتنياهو يبحث عن جبهة حرب جديدة ؟!!
مقالات
ترامب يريد التهدئة… ونتنياهو يبحث عن جبهة حرب جديدة ؟!!
عباس المعلم
12 حزيران 2026 , 11:56 ص

بالنسبة إلى ترامب، تبدو مذكرة التفاهم الأولية مع إيران وكأنها باتت في مراحلها المنجزة، فيما تؤكد طهران وجود تقارب جدي وفعلي على هذا المسار، من دون الانزلاق إلى استعراض تفصيلي ومبالغ فيه لما يمكن أن يتضمنه أي تفاهم محتمل، خلافاً للأسلوب الذي يعتمده الرئيس الأميركي في تسويق مسار المفاوضات.

أولاً، حتى لو تم التوصل إلى هذه الصيغة، فإن ما يجري الحديث عنه لا يرقى إلى مستوى الاتفاق النهائي، بل يندرج ضمن إطار مذكرة تفاهم تؤسس لمرحلة تفاوضية أكثر مباشرة وكثافة خلال الشهرين المقبلين، تمهيداً لبلورة اتفاق شامل ونهائي.

في المقابل، يبرز موقف نتنياهو باعتباره العقدة الأكثر تعقيداً في هذا المشهد، إذ يتعارض بصورة واضحة مع توجهات واشنطن وطهران ومع المزاج الإقليمي العام الذي أبدى ترحيباً بإتمام التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران. فنتنياهو يؤكد أنه ليس طرفاً في أي مذكرة تفاهم، وهو ما يفتح الباب أمام مسارين متوازيين: الأول تكريس فصل واضح بين الحسابات الإسرائيلية الخاصة والصراع مع إيران، والثاني إخراج الجبهة اللبنانية من أي تفاهم إيراني ـ أميركي محتمل، رغم رغبة إدارة ترامب وعدد من القوى الإقليمية في إدراج لبنان، بصورة أو بأخرى، ضمن أي تسوية مرتقبة.

جوهر الإشكالية الراهنة يكمن في التباين العميق بين رؤية ترامب وأولوياته الزمنية والسياسية، وبين حسابات نتنياهو الذي يرى في استمرار حالة الاشتباك والحرب، على جبهة أو أكثر، حتى أيلول المقبل على الأقل، ضرورة استراتيجية وسياسية. فالرجل يعتبر أن أي وقف شامل لإطلاق النار في هذه المرحلة قد يهدد مستقبله السياسي داخل الكيان، ويقوض ما يسعى إلى تكريسه باعتباره “إنجازات تاريخية” راكمها عبر الحروب والصراعات الممتدة خلال السنوات الثلاث الماضية.

ومن هنا، حتى إذا وجد نفسه مضطراً للانخراط في أي تفاهم تحت وطأة ضغوط أميركية مكثفة، فإنه لن يكون مستعداً لتعميم هذا الالتزام على مختلف الساحات. فإذا قبل بتهدئة أو تفاهم مع إيران، فإنه سيعمل على منع انسحاب ذلك تلقائياً على الساحة اللبنانية، والعكس صحيح. أما إذا فرضت عليه معادلة أميركية وإقليمية تلزمه بضبط الجبهتين معاً، فسيكون ميالاً إلى البحث عن ساحات اشتباك بديلة لإبقاء منسوب التوتر قائماً، سواء في غزة أو الضفة الغربية، أو حتى عبر ساحات أخرى كاليمن والعراق، وإن بدرجات واحتمالات متفاوتة.

في المقابل، لا يبدو ترامب مستعداً للسماح باستمرار الصراع الإقليمي المفتوح حتى أيلول أو تشرين المقبلين، ليس فقط لأسباب تتعلق بأمن المنطقة أو استقرارها، بل أيضاً لاعتبارات داخلية أميركية ترتبط بالأداء الاقتصادي، ومزاج الناخب الأميركي، والتوازنات السياسية التي ستحدد إلى حد كبير قدرة إدارته على تثبيت مشروعها السياسي، كما ستؤثر بصورة مباشرة في صورة الحزب الجمهوري واستحقاقاته الانتخابية الكبرى خلال السنوات المقبلة.

وعليه، فإن المشهد الحالي لا يُختصر بمفاوضات نووية أو تفاهمات تقنية فحسب، بل يعكس صراعاً بين مشروعين سياسيين متناقضين: مشروع أميركي يسعى إلى هندسة مرحلة من خفض التصعيد الإقليمي المنضبط، ومشروع إسرائيلي يقوده نتنياهو يرى في استدامة بؤر التوتر والحروب المتعددة الضمانة الأهم لبقائه السياسي واستمرار نفوذه داخل الكيان.

عباس المعلم - كاتب سياسي